بقلم : ال عشاق-يشكل المجال الترابي باقليم الخميسات الحاضنة الطبيعية للوجود الإنساني، وبقدر ما يكون المجال موضع عناية واعتراف وانسجام بين مكونات المجتمع المدني الحقيقي بقدر ما يتحول إلى فضاء خصب للمواطنة الفاعلة والإنتاج الجماعي. غير أن عددا من الأقاليم والمجالات الترابية من ضمنها اقليم الخميسات ظلت تعاني لعقود طويلة من قطيعة صامتة بين الساكنة ومحيطها، قطيعة لم تكن وليدة الصدفة، لقد غذاها الشتات المجتمعي والنعرات السياسية التي تغدي التفرقة، وسوء الفهم البنيوي لطبيعة التحديات، وغياب رؤية استراتيجية واضحة المعالم. إن تجاوز الإرث الثقيل يفرض ضرورة إحداث تصالح عميق وجذري بين الساكنة ومحيطها الترابي، كخطوة أولى ولازمة نحو بناء جبهة دفاع قوية عن المصالح المشتركة، قوامها الاختيارات السياسية المتقدمة والتفكير الاستباقي.
لقد ظلت التنمية باقليم الخميسات في العديد من الجماعات الترابية رهينة مقاربات فوقية قاصرة، أفرزت نوعا من الاغتراب المجالي، وتتجلى أهم ملامح الوضع في غياب الانتماء المجالي الحقيقي حيث تعامل أفراد الساكنة مع محيطهم الجغرافي والاقتصادي كفضاء عابر للإقامة بدل اعتباره هوية مشتركة ومسؤولية تضامنية، إلى جانب سيادة التصورات الخاطئة والنمطية المتمثلة في الترويج لثقافة اليأس والاعتقاد بأن التغيير مستحيل، ناهيك عن الشتات البنيوي والتنظيمي المتمثل في غياب التنسيق وتغليب النزاعات الفردية أو الفئوية الضيقة على حساب المصلحة العامة، مما سهل تشتيت الجهود وإضعاف أي صوت مطالب بالحقوق والتنمية. عوامل تضافرت لعقود لتشكل حلقة مفرغة، رهنت مستقبل الأقليم، وجعلته عاجزا عن مواكبة التحولات الكبرى بل يعتبر اقليما مهمشا في معادلات صنع القرار.
إن التصالح مع المحيط ليس شعارا عاطفيا انه مبدأ استراتيجي براغماتي يعيد الاعتبار للمجال كحامل أساسي للتنمية والكرامة ، ويقتضي التصالح المطلوب الاعتراف بقيمة الموارد المحلية عبر استكشاف المؤهلات الطبيعية والثقافية والبشرية التي يزخر بها الإقليم وتحويلها إلى نقاط قوة تفاوضية وتنموية، وكسر جدار العزلة النفسية باستبدال الشعور بالتهميش الى روح المبادرة الحقيقية المبنية على التصورات المتقدمة واعتبار الدفاع عن الإقليم واجبا جماعيا، فضلا عن التأسيس لذاكرة جماعية مشتركة توحد الرؤية حول تاريخ الإقليم ومعاناته والاسباب التي ادت الى تفاقم الازمات في اغلب القطاعات الحيوية. ولا يمكن لأي تصالح مجالي أن تثمر نتائجه المرجوة بمعزل عن انخراط واع ومسؤول في اختيارات سياسية متقدمة ترتكز على تبني البرامج الحداثية والبدائل العقلانية والقطع مع الممارسات التقليدية، والترافع المؤسساتي القوي لتوظيف الآليات الديمقراطية المتاحة، والجرأة في التخطيط لطرح أسئلة جريئة حول أسباب التخلف ورفض الحلول الترقيعية.
إن بناء مستقبل واعد باقليم الخميسات يتطلب تفكيك المعيقات البنيوية التي عطلت طاقات الأقليم لسنوات طويلة، ما يستدعي بالضرورة تجاوز الانقسامات الوهمية بتوحيد صفوف الفاعلين المحليين حول قواسم مشتركة، والاستثمار في الوعي السياسي لمحاربة الأمية السياسية ونشر ثقافة المساءلة التي نعتبرها المدخل الحقيقي لاي اصلاح ، ورسم آفاق مستقبلية واضحة تنتقل من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق والتخطيط الاستراتيجي العابر للحورات الانتخابية.
إن رهان المستقبل لا يقتصر على معالجة الاختلالات الظرفية، انما يتأسس على رؤية استباقية تجعل من المجال الترابي قطبا للاستدامة والابتكار. إن الأقاليم التي ستكسب رهان الغد ستنجح في بناء جيل جديد من النخب والمواطنين القادرين على تحويل التحديات البيئية والاقتصادية والاجتماعية إلى فرص حقيقية، مستندة إلى حكامة ترابية ذكية وتخطيط استشرافي يضمن للأجيال القادمة بيئة مزدهرة، وعدالة مجالية تضمن تكافؤ الفرص، وتدمج البعد الرقمي والبيئي في صلب التنمية المحلية، ليتحول الأقليم المهمش إلى قاطرة حقيقية للإقلاع الشامل والتنمية المستدامة.
![]()
