بقلم : حسن بولهويشات
………….
صديقي بوعزة استثنائي ومفاجئ مثل جملة شعرية في نص سردي طويل، أو رابط لغوي ينقلك بسلاسة من شمال الأرض إلى جنوبها دون أن تحلّق فوق جبال وبحار كثيرة، أو تزعجك فواصل صغيرة مثل حبّات العدس واستدراكات مثل نقط التفتيش على الحدود.
تسبقه ابتسامته مثل فتى الأحلام في الرسوم المتحركة، وحين يجلس حول طاولة فيضيء على الآخرين، وحين يضحك مدويًا كالبحر، وحين يستوي كالمزاج، وحين يلهمك فتجلس من حيث لا تدري، فتأتي على القهوة دون أن تنتبه، وقبل ذلك تكون قد وصلتَ في الوقت الذي سُجّل فيه الهدف الوحيد في مباراة على التلفاز.
كأنّه الوحيد الذي يبدو سعيدًا باسمه من بين كلّ البواعز (إن صحّ الجمع) الذين يظهرون متضايقين من الاسم والطقس وأشياء غير واضحة.
بوعزة: الباء في الحليب والعنب، والواو في الورد والوعد، والعين ينبجس منها ماءٌ رقراق، والزاي في أزيز طائرة ورقية، والتاء صامتة من فرط الحكمة. أمّا حين يناديه أحدهم بـ “بوعَزَا” بفتح العين وتشديد الزاي؛ يتردّد إيقاع لذيذ في الأذن، وهذا في حدّ ذاته جزء من التعدد اللساني والثقافي في “بوعزة” دون الأسماء الأخرى.
بوعزة المفرد المتعدّد، جاثماً كالقبر في المخيّلة بألبوم صُوّر بالأبيض والأسود، مزدحماً بالحكايات وسِيَر من رحلوا تاركين الرائحة على مقبض الباب، ويقودك في رحلة إلى عالم المتاحف والقطع النادرة.
الشيخ بوعزة، عون السلطة، بقامة قصيرة وسحنة محروقة، وحقيبة جلدية سوداء بجيوبَ كثيرة، وجلباب أبيضَ، وسيارة رونو 4 يتنقل بين الدواوير ويوزع رسائل الجنود والشواهد الإدارية، صامتاً يقضي مآرب الناس، وقد عمّر طويلاً على هذا النحو حتى صار جزءاً من تاريخ النهر والقرية.
وبوعزة آخر، مديراً لمدرسة ابتدائية ببطنٍ منتفخ مثل برميل نبيذ، وصلعة صلداء مثل المدرب حسام حسن، وحزمة مفاتيح في اليد، وشاحنة كبيرة من الثرثرة، يظهر من بعيد فيسبقه فحيح الصهد المقيت والسخام الأسود واحتراق عجلات مطاطية، وتركيبة كيماوية من الوساوس والنوايا الخبيثة.
بوعزة بجلباب غليظ وعصا على الكتف يعلق عليها أغراضه الصغيرة ويمشي مخترقاً الندى بحذائه المطاطي، قبل أن يختفي للأبد وسط الضباب دون أن يسأل عنه أحد.
بوعزة يضع رجلاً على رجل قبل أن يسافر في الندم دون أملٍ في العودة، وهناك من توجّع وصاح: آه يا أمّي!
بوعزة برَزّة بيضاء على شكل إسفنجة على الرأس، وبَغْلة نشيطة، والنقع المتطاير، والصمت، وغناء الصرصور في الحقول اليابسة، وطول الطريق.
بوعزة جالساً على رأس الجبل مثل رادار لاسلكي يراقب سرب البدو العائدين من السوق، يقتربون ويتسلقون الجبل مثل خنازير برية، وما زال بوعزة يرفرف في القمة مثل علمٍ وطني.
بوعزة يخبط الصوف بعصاً جنب الوادي، أو يسوق قطيع حمير في الظلام، أو قطيعاً آخر من النوق في قصيدة عمودية.
بوعزة وفياً كالرائحة أو خائناً كالزمن، متجاوراً مع نفسه كالشجرة وظلها أو منفكّاً عنها كقطعة غيار.
بوعزة الذي باع الوطن، وبوعزة الذي عاش في كوخ جنب الغابة ومات دون أن يبكيه أحد أو تنتبه إليه وحوش الغابة.
بوعزة ملقى على ظهره في الشاطئ، شبه مخدّر وشبه ميّت، نصفه في الماء ونصفه الآخر في البرية، يصطاد سمكة بحواسه ويتوحش وسط الأدغال حين يريد.
وبوعزة يملأ الثقوب كطبيب أسنان، أو يبحث عن الثغرات مثل فأرٍ صغير.
بوعزة وحياة أخرى كدلو مزدوج حيث الذئب والقنفذ يتناوبان على الصعود والهبوط في بئر سحيقة.
بوعزة الخبر في جملة، وبوعزة مضافاً إليه في مادة سردية اسمها الحياة، متبوعًا وسط قبيلة من الأولاد والأحفاد، فيواصل حياته لاجئاً في فناء اللغة بأوراق ثبوتية منتهية الصلاحية، يتناول القوت وينتظر الموت.
بوعزة حين توحشت الريح على غير موعد فالتفّت النافذةُ بالنافذة، وجاء المطر ثانية ومكث الليل حتى طالت أظافره، فأوشك أن يضيع مستقبل كثيرين.
وبوعزة صديقي كعمودٍ صلب يرفع الخيمة وعزّها، ويسبق القمر بخطوة
![]()
