سلط تقرير حديث نشرته منصة (سلات الفرنسية) الضوء على دور المؤسسة التشريعية في المغرب وحدود تأثيرها الفعلي على المشهد السياسي، وذلك تزامنا مع الاستعدادات الجارية للانتخابات التشريعية المقررة في الثالث والعشرين من سبتمبر لتجديد أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 395 مقعدا. واستند التقرير إلى تحليلات باحثين وأكاديميين تفكك طبيعة العلاقة بين البرلمان والمؤسسة الملكية.

يرفض الباحث في العلوم السياسية جان نويل فرييه اختزال دور مجلس النواب في كونه غرفة مصادقة آلية. فرغم أن التوجيهات الكبرى ترسم في القصر وتصاغ القوانين حكوميا، إلا أن اللجان البغلمانية تشهد مساحات حقيقية للتفاوض والتوافق حول التفاصيل. ومن الناحية الدستورية، يمارس البغلمان صلاحيات هامة كالتصويت على الاتفاقيات الدولية، غير أن اعتمادها يتم غالبا بالإجماع بعد نقاشات واحترازات داخل اللجان. كمثال على ذلك، اتفاقية متعددة الأطراف للضرائب وقعها المغرب في 2019 ولم يصادق عليها البغلمان إلا في العام الحالي 2026، إثر إثارة تحفظات تتعلق بسرية البيانات المالية للمغاربة المقيمين بالخارج.

يشير الباحث دافيد غوري إلى أن الأنظمة المغلقة تحتاج لهياكل تستوعب تعقيدات المجتمع وتستشرف تطلعاته عبر نخب سياسية فاعلة. ويلاحظ أن تجربة إدماج قوى معارضة تاريخية مثل الاتحاد الاشتراكي وحزب العدالة والتنمية داخل المؤسسات ساهمت تدريجيا في تكييف مواقفها مع التوافقات الكبرى. ومع ذلك، لم يلغ الانخراط الأبعاد الديمقراطية للنقاش البغلماني، حيث شكلت قضايا كالاعتراف بالأمازيغية ونقاشات بعض بنود الميزانية الملكية أمثلة بارزة على ملامسة مواضيع ظلت لزمن طويل بعيدة عن التداول العلني.

أبرز التقرير رصد الباحثة إيرين يورك لارتباط النشاط الميداني للبغلمانيين كالأسئلة المكتوبة حول الشأن المحلي بحظوظهم الانتخابية اللاحقة. في المقابل، يفرض نظام الاقتراع النسبي تحديات هيكلية أمام تحقيق أغلبيات مطلقة، مما يحتم تشكيل ائتلافات حكومية مركبة. ومن أبرز شواهد التباينات التعامل مع قانون الاستعمال الطبي للقنب، إذ عارضه حزب العدالة والتنمية قائد الائتلاف آنذاك بينما دعمته باقي الأحزاب المشكلة للحكومة، مما أدى إلى تمريره رغم معارضة نواب الحزب الرئيسي. كما ساهم تعديل طريقة احتساب القاسم الانتخابي قبيل انتخابات 2021  في تعزيز حضور الأحزاب الصغرى وتقليص هيمنة الحزب المتصدر مضاعفا من الحاجة لتحالفات أوسع.

يخلص التقرير إلى أن المشهد البغلماني المغربي يتميز بازدواجية فريدة، فهو يجمع بين سقف سياسي يحدده الدور المحوري للقصر، وهامش مؤسساتي فعال يتيح إثارة النقاش العمومي والتأثير في سياسات وقضايا مجتمعية محددة.

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.