بقلم : العربي بويمجان –بعض المحطات الانتخابية باقليم الخميسات لا تعنى بتقديم برامج بقدر ما بحاجة ماسة إلى إنقاذ الذاكرة الجماعية، فعندما يقضي مترشح قرابة ربع قرن من الزمن في موقع المسؤولية دون أن يجد محيطه ما يبرر المسار بحصيلة مقنعة، يلجأ المقربون إلى خيار بديل يتمثل في الترويج للمقبلات السياسية والمناكفات الانتخابية واستدعاء ملمعي الصور الرسميين والمهللين والنكافات.
لا يطرح السؤال الجوهري المتعلق بما تحقق فعلا انما ينطلقون من تساؤل عكسي حول كيفية إقناع الناخبين بأن ما لم يتحقق قد تحقق بالفعل، ويتحول المشهد إلى مفارقة سياسية طريفة، فحين تطالب بالحصيلة ستسمع بأن المترشح ذو خبرة وتجربة، وحين تسأل عن ثمار التجربة يردون بأن المترشح قدم الكثير، وإذا ألححت في طلب الأدلة يغرق المترشح المتخشب في الكرسي في الصمت ليتحول النقاش فجأة إلى محاضرة إنشائية في الأخلاق والوفاء وتقدير الكفاءات.
إننا أمام استحقاق انتخابي ديمقراطي ولسنا في حفل تكريم شخصي، فربع قرن من المسؤولية الفعلية لا يختزل في قصائد المدح انما يقاس بلغة الأرقام وكشوف الحساب، فلو كانت إنجازات ومشاريع وتحولات هيكلية لتم عرضها وتوثيقها للرأي العام، أما أن يصنف كل تساؤل مشروع ضمن خانة الاستهداف وكل نقد بناء في باب الحقد وكل طلب للحصيلة باعتباره مؤامرة، فهروب واضح من مواجهة السؤال الأبسط عما قدم طوال كل السنوات.
واللافت أن حواري الدفاع يتعاملون مع المترشح وكأنه ملكية خاصة تستوجب الاستبسال دفاعا عنه إلى آخر نفس، فيمدحون صباحا ويلمعون ظهرا ويهاجمون المنتقدين مساء ثم يخلدون إلى النوم قانعين بأنهم أدوا واجبهم الوطني، لكن المواطن تجاوز مرحلة الوصاية ولم يعد يعبأ بالخطابات الاستعراضية ولا بالرسائل الموجهة التي تملي عليه ممن يصفق ومتى يصمت، انما يريد إجابة واضحة عن الحصيلة الفعلية على أرض الواقع ،فالطاقم المحيط يدافع عن الفشل لا عن مشروع تنموي لكن على مواقع ومصالح تضمن استمرار النفوذ.
إن المدافعين أحرار في اختيراتهم السياسية لكن عليهم إدراك حقيقة بديهية مفهادها أن التصفيق ليس إنجازا والمديح ليس برنامجا والصورة الجماعية لا تغني عن الأثر التنموي الملموس، وتظل الظاهرة الأغرب التناسب الطردي العجيب المتمثل في أنه كلما طال أمد المسؤول في السلطة تضاعف حجم الملمعين حوله وكأن الفشل بات حافزا لفتح باب التوظيف أمام جيوش الدفاع المستميت، لربما نصل يوما إلى استحداث منصب رسمي جديد تحت مسمى مستشار في تلميع الحصيلة مهمته إعادة تدوير ربع قرن من الركود ليظهر في حلة تجربة ناجحة يطلب من الناس التصفيق لها، والحقيقة الساطعة أن المواطن ليس بمعزل عن الواقع انه يستمع للخطاب ويرى الشعارات لكنه يعود ليعيش تفاصيل يومه ويسأل نفسه عما تغير حقا.
السؤال البسيط وحده يكفي لإرباك جيوش التسويق لأن الإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى متحدثين رسميين لإقناع الناس بوجوده فالإنجاز بطبيعته ينطق عن نفسه، أما من يحتاج إلى أصوات حاشدة تشرح للناس أين يكمن النجاح المفترض فالمشكلة ليست بالتأكيد في قدرة المواطن على البصر انما في حجم النجاح نفسه، لذا فليستمر الملمعون والمدافعون في مهامهم ولترتفع أصوات التصفيق وتتضاعف جرعات المديح، ويبقى في ذهن الجميع أمر حاسم أن الانتخابات تحسم بصناديق الاقتراع ووعي المواطن وأن الذاكرة السياسية أصلب من أن تلمع بسهولة خصوصا إذا كانت مطبوعة بربع قرن كامل من الانتظار.
![]()
