بقلم : بنعيسى يوسفي – لعل من بين الأسئلة المؤرقة والعميقة التي تطرح اليوم ، والتي تهم حقول ثقافية ومعرفية على السواء ، هو هل يمكن لهذه الحقول ان تصمد أمام الكثير من التغيرات والتطورات العلمية التي بدأت تطفو على السطح ومنها بالخصوص صعود العلوم الدقيقة والتكنولوجيا الحيوية وعلوم النفس وغيرها ؟ وبالتالي ما المساحة التي مازالت هذه الحقول قادرة على احتلالها داخل الوعي الجمعي ، وما مدى قدرتها على الحفاظ على مكانتها وتأثيرها في المجتمع وتشكيل الأنساق الفكرية والثقافية التي تعكس مختلف التطورات والتحولات التي يشهدها بين الفينة والأخرى ؟

وإذا كان من الصعب إظهار وتبيان التأثير المباشر لصعود نجم العلوم الدقيقة والتكنولوجيا الحديثة على مختلف الحقول الأدبية والمعرفية عامة ، لأن ذلك سيستغرق مساحة كبيرة ، وسيأخذ حيزا كبيرا نظرا لتشعب الموضوع ، وكثرة تفاصيله ، فإنه في هذا المقام سنحاول قدر الإمكان رصد هذا التأثير بعلاقته بالفلسفة أولا، وما هو الدور الذي يعيشه الفيلسوف اليوم في ظل ذلك ، هل يمكن القول أن الفيلسوف يعيش عزلة داخل مجتمعه ، أم أن دوره يتخذ أشكالا جديدة ، أكثر خفاء داخل البنى الثقافية والإعلامية ؟ على أن نسير على نفس النهج بخصوص باقي مكونات الحقل الثقافي والمعرفي في مستقبل الأيام .

من نافلة القول أن سؤال أي مكانة ستبقى للفلسفة في الميدان المعرفي بعد هذا الصعود المهول لما بات يسمى بالعلوم الدقيقة والتكنولوجيا الحيوية وعلم النفس ومزاحمة إياها في احتياز المعارف ، سؤال قديم متجدد ، دائم الانطراح كلما جد جديد في ساحة المعارف ، يروم زحزحة الفلسفة والفكر الفلسفي من عرشه الامبراطوري أو جرَّب ذلك ، فكما هو معلوم أن هذا السؤال طرح في الوقت الذي استقلت فيه العلوم الطبيعية وعلوم الرياضيات والهندسة بنفسها عن الفلسفة في القرن الثامن عشر ، وأعيد طرحه أيضا وبنفس الحدة حينما شرعت العلوم الاجتماعية والانسانية في الانفصال عن الفلسفة والاستقلال بنفسها كعلوم .وفي كل مرة كان نفس السؤال يطرح ، وكان خطاب النعي والتشييع يزدهر على هامش نازلة التحدي ، لكن الفلسفة كذبت نُعاتها دائما ، فأقامت من أدوارها الدليل على أنها معين لا ينضب وطاقة لا تنقضي ، يمكن لعلوم معينة،كما يذهب إلى ذلك المفكر المغربي الشهير ” عبد الإله بلقزيز” أن تتناهب موضوعات الفلسفة ، وتسعى إلى احتكار القول فيها ، لكن الفلسفة وحدها من يقوى منها جميعا على بناء النسق بناء تجريديا مترابطا ، وعلى مساءلة المنطلقات وتحديد البراديغمات وقواعد المعرفة ونقدها وتفكيكها ، ووحدها تقوى على تحليل المركب وتركيب المنثور وإعادة تشييد النظام الأكسيومي للمعرفة. غيرها لن يستطيع الاضطلاع بهذه الأدوار وبهذه المهمات مهما تكون المرتكزات أو الأسس التي يستند عليها ، علمية كانت أو تكنولوجية أو ما شابه ذلك . ومن هنا يظهر أن الفلسفة تظل حية في المجتمع وهي دائمة الحضور وإن بأشكال متمايزة ، صحيح يمكن في بعض الأحيان أن تخلي الفلسفة الساحة لباقي العلوم التي تم ذكرها لتتسيَّد المشهد المعرفي والثقافي ، وأن يجد المرء ضالته فيها ، لكن سرعان ما يخبو ضوؤها ، وتعود الفلسفة إلى الواجهة حاملة معها الكثير من الأجوبة والكثير من الأفكار التي قد تعجز تلك العلوم على الإتيان بها ، وهنا تكمن قوة الفلسفة عن باقي العلوم ومكوناتها . وهذا أكبر جواب على الذين يدَّعون أن الفيلسوف غائب ولم يعد حضوره قويا في المجتمع كما كان في سابق العهود ، فالفيلسوف لم يكن يوما غائبا ولا معزولا ، الا إذا أُريد له ذلك أو فُرض عليه فرضا ، ومع ذلك يبقى قلبه ينبض بالحياة ، يترصد الفرصة للظهور والاتيان بالجديد وبالبدائل ، فقط يجب الإنصات والاستماع إليه ، ولهذا يمكن القول أن الفيلسوف لم يكن يوما لائذا بنفسه اللواذ التام ، محتميا بها من محيط اجتماعي يستفسده ويربئ نفسه عن الاندماج فيه أو عن الاتصال به نوعا من الاتصال يكون به فساد النفس ، تلك صورة متخيلة لا أكثر ، ولعلها الأوسع انتشارا عن الفيلسوف في كل مراحل التاريخ لسبب بسيط ومعلوم ، وهو ارتفاع بضاعة الفيلسوف الفكرية عن معدلات المدارك العامة واستغلاق لغته على الفهم العام .

قد يفهم من سؤال هذه العزلة التي يراد الترويج لها عنوة في بعض الأحيان ، أو احتماليتها في أحسن الأحوال ، أن ذلك ربما مدفوعا بالشعور بغرابة الواقع الجديد الذي باتت تعيش فيه مجتمعات العالم نتيجة تراكم الأزمات وضيق الأفاق ، وكثرة المعضلات الإنسانية الجديدة التي تطرحها الثورة التكنولوجية الرابعة والذكاء الاصطناعي ، بما في ذلك معضلة الشرط الإنساني وسؤال المعنى ، وحالة من التشاؤم التي تصيب العقل حيال ما يقع من متغيرات عاصفة تذهب الجوهر في هذا العالم ، لكن دعونا نقول ونؤكد أن الفلسفة وحدها التي تملك أن تقارب أسئلة التحولات الكبرى في التاريخ لأنها تمرَّست على ذلك دائما وراكمت تجارب جد مهمة في هذا الشأن ،و لا تخشى المنافسة من أي عنصر كان ، لأنها وحدها التي تحتاز وتمتلك الأسئلة والمفاهيم والأدوات القمينة والكفيلة لرصد الإشكاليات ولابتِناء الإجابات الممكنة عن معضلات المجتمع والتحولات في العالم كيفما كانت طبيعتها ، قد يعجز الفيلسوف بين الفينة والأخرى على الاهتداء التام إلى اجتراح أجوبة آنية أو فورية على إعضالات المجتمع الشائكة والعصية على الاستيعاء على نحو من أنحاء اليقين ، لكن يملك قطعا البروتوكول النظري الكفيل لمساءلتها ثانية حتى تستقيم عملية ومداميك التفكير والمعرفة ، وبالتالي يضع الأصبع على الداء ويقترح الدواء ، والفيلسوف له قدرة لا تتوفر لغيره في التوسل في أحيان كثيرة وبطريق ذكية بوسائل عصره في مخاطبة الفكر وفي الإنتاج والإبداع ، إذا اقتضى الأمر ذلك ، وقد يعود إلى قواعده التي يظل وفيًّا فيها لتقاليده المدروج عليها في المخاطبة والكتابة ، لكنه قطعا لن يستسلم ولن ينساق للهزيمة أو ينتكب عن أداء دور لم يحد عنه يوما ، دور انتدب له نفسه منذ سقراط إلى اليوم .كل ما ذكرنا آنفا يعطي الدليل على أن الفلسفة مجال يحتل مكانة كبيرة بين ضروب الفكر والإبداع، وسرُّ وجودها واستمرارها مرتبط أشدّ ما يكون الارتباط بقضايا واهتمامات وإشكالات المجتمع، ومهما أراد البعض أن ينتزع هذه الأدوار منها فلن يستطيع إلى ذلك سبيلا،صحيح قد تواجهها بعض التحديات نتيجة ظهور إلى الوجود أشكال وأدوات معرفية حديثة تسائل الواقع بطريقتها الخاصة، وتريد أن تأخذ لنفسها مساحة من الاهتمام البشري بها، كما أسلفنا الذكر عن التكنولوجية الحيوية وبعض العلوم وما إلى ذلك، لكن يبدو أن الفلسفة متعودة جدا على هذه الأوضاع والسيناريوهات على مر التاريخ والتي تخرج منها دائما أكثر قوة مما كانت في السابق.

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.