بقلم : ال عشاق –لم تعد الحملة الانتخابية في دائرة الخميسات والماس مجرد موسم للصور الجماعية، والابتسامات المصطنعة، والوعود التي تولد كبيرة وتموت صغيرة. يبدو أن الميدان بدأ يقوم بمهمته المعتادة، الغربلة. غربلة الوجوه، وغربلة الشعارات، وغربلة الوهم الجميل الذي يجعل بعض السياسيين يعتقدون أن المقعد البغلماني يمكن أن يتحول إلى ملكية عائلية تجدد تلقائيا كلما اقترب موعد الانتخابات.
فـالكبار الذين اعتادوا دخول الانتخابات بثقة من يملك مفاتيح الخريطة الانتخابية، اكتشفوا أن الخريطة ليست دائما ملكا لمن يحملها في جيبه. والناخب الذي يحسب بالأرقام القديمة، أصبح أكثر ميلا إلى طرح الاسئلة المزعجة، ماذا تحقق…؟ وماذا تغير…؟ ولماذا ينبغي أن تعود الأسماء نفسها مرة أخرى…؟
وظهر الصغار كما يسميهم البعض ، وهم يطرقون أبواب المنافسة بثقة أكبر. بعضهم دخل السباق وكأنه ذاهب إلى نزهة انتخابية، فاكتشف أن السياسة لا تمارس بالصور ولا بالوعود، وأن الحملة الانتخابية ليست مهرجانا للأمنيات. آخرون فهموا اللعبة مبكرا، واستعدوا جيدا، وانتشروا في الميدان، وبدأوا يزاحمون أصحاب التجربة الطويلة على المساحة التي كانوا يعتبرونها محفوظة لهم.
ومن خلال ما يظهر في التجمعات والحركية الانتخابية، يمكن رصد محمد لحموش عن حزب الحركة الشعبية في موقع متقدم من خلال القراءة الميدانية، يليه محمد حمي عن حزب الاستقلال الذي فاجـأ الجميع بحضوره القوي في جميع التجمعات ، ثم فؤاد كريم عن التقدم والاشتراكية الوجه الذي استثمر رئاستة لجماعة مجمع الطلبة لتكون منطلقا لكسب الاصوات في باقي الجماعات الترابية القريبة، ورغم التاخر في بداية السباق الاستحقالقي بدا مترشح الاتحاد الاشتراكي رشيد الفرشيوي يكسب بعض المناطق لككنه يحتاج الى المزيد من الجولات في الجماعات الترابية لاستحقاق المرتبة الرابعة ، بينما يواصل محمد شرورو عن الأصالة والمعاصرة خوض السباق وسط منافسة أصبحت أكثر تعقيدا من مجرد استعراض للأسماء لانه اصبح محاصرا في جماعة والماس التي تعتبر خزانا اسنتخابيا قويا قبل ان ينقلب عليعهه ويرتتمي في احضان القادم الجديد محمد حمي الذي حاصره واطفا محرك الجرار.
وكما يقول أهل الانتخابات، لا أحد يفوز في الصور. ولا أحد يحصل على مقعد بغلماني بعدد الإعجابات. ولا توجد صناديق اقتراع في ساحات التجمعات. فإن الترتيب ليس أكثر من قراءة للحظة الانتخابية كما تبدو في الميدان، وقد تنقلب حساباتها في أي لحظة. المفارقة أن بعض السياسيين لا يزالون يتعاملون مع الانتخابات بمنطق (أنا هنا منذ سنوات، إذن أنا باق ). وهذه واحدة من أكثر النظريات السياسية طرافة. فالناخب لا يوقع عقدا أبديا مع المترشح، والمقعد البغلماني ليس كرسيا إداريا يورث من دورة إلى أخرى. كل انتخابات تعيد طرح السؤال من جديد، وكل مترشح مطالب بأن يقدم نفسه كما لو أنه يدخل السباق للمرة الأولى. أما الذين يعتقدون أن كثرة التجربة تعني بالضرورة كثرة الأصوات، فقد يجدون أنفسهم أمام درس انتخابي بسيط، التجربة تمنح رصيدا، لكنها لا تعفي من الحساب.
والحملة الانتخابية الحالية تقول شيئا آخر أيضا، إن (الصغير) الذي يحسن الاستعداد يمكن أن يصبح مزعجا جدا للكبير كما حصل محمد محمد حمي وفؤاد كريم . ليس لأنه أكبر منها في التاريخ السياسي، وإنما لأنه أكثر انسجاما مع اللحظة. فالانتخابات لا تكافئ دائما من يملك أطول سيرة ذاتية، انما تختبر من يستطيع إقناع الناخب بأن الغد يحتاجه أكثر من الأمس. ولذلك تبدو دائرة الخميسات والماس وكأنها دخلت مرحلة الفرز الحقيقي. هناك من يواصل التحرك بثبات، وهناك من يكتشف متأخرا أن الحملة الانتخابية تحتاج إلى أكثر من مكتب حزبي وملصق انتخابي، وهناك من يعتقد أن المنافسة ستنتهي بمجرد الإعلان عن ترشحه.
والأكثر إثارة للسخرية أن بعض الخطابات السياسية ما زالت تتحدث عن (الجماهير) وترى ان من حضر تجمعا انتخابيا منح صوته مسبقا. والحقيقة أن المواطن يستطيع أن يصفق في المساء لمترشح ما ، ثم يذهب صباحا إلى صندوق الاقتراع ويختار مترشحا اخر. وهذه واحدة من أجمل المفاجآت التي اخترعتها الديمقراطية.
فالغربلة الحقيقية لم تبدأ بعد نهايتها، إنها مستمرة إلى آخر دقيقة. الكبار مطالبون بإثبات أن رصيدهم لم يتحول إلى عبء، والصغار مطالبون بإثبات أنهم ليسوا مجرد موجة عابرة. والأحزاب مطالبة بأن تتوقف عن التعامل مع الدوائر الانتخابية باعتبارها خرائط ثابتة لا تتغير. في دائرة الخميسات والماس بعض الحسابات القديمة بدأت تتشقق، وبعض الوجوه الجديدة بدأت ترفع صوتها، وبعض الأسماء التي دخلت السباق مطمئنة إلى مكانها أصبحت مضطرة إلى النظر خلفها كل صباح.
لكن في النهاية، لا محمد لحموش فائز الآن، ولا محمد حمي، ولا فؤاد كريم، ولا رشيد الفرشيوي، ولا محمد شرورو. كل الميدان يعطي إشارات، والتجمعات ترسم مؤشرات، والحملة تكشف بعض الاتجاهات. أما الحقيقة الوحيدة التي لا تحتاج إلى محلل ولا إلى استطلاع ولا إلى تجمع انتخابي، أن الصندوق وحده يحتفظ بالنتيجة.
يستمر السباق وستستمر معه عملية الغربلة. ففي الانتخابات التشريعية والجماعية، أحيانا لا يسقط المترشح لأنه ضعيف، انما لأنه اكتشف متأخرا أن الزمن الانتخابي تغير، وأن الناخب الذي كان يحسب ضمن (المضمونين) قرر أخيرا أن يكون صاحب القرار في هندسة الخريطة الانتخابية بالغربلة.
![]()
