بقلم : محمد الفقير –اقليم الخميسات  المنطقة المنسية  التي يتقاطع  فيها عبق التاريخ مع رتابة التسيير المحلي، لا شيء يضاهي الإثارة الموسمية للشبكات الرقمية. وتنبثق من شاشات الهواتف كائنات متناضلة تتقن لغة التباكي على هموم الشعب الكادح في الجماعات الترابية . أصوات رنانة ترفع شعارات المظلومية، وتتوعد الفساد بسيف الحق، مبشرة بعهد جديد من الإصلاح والكرامة.لو تقشرت قشرة الخطاب الثوري البراق، لوجدت تحته عاريا من كل مبدأ، ومختزلا في مسرحية هزلية أبطالها دمى تحركها خيوط مصلحية ضيقة.

المثير للشفقة حقا ومن داعي السخرية أن تخرج الفقاعات الرقمية لتدافع عن مقهورين ظلت تبتلعهم سياسات جماعات ترابية تربع فيها نفس الأشخاص على كراسي القرار طيلة ربع قرن كامل. مترشحون تخشبوا فوق مقاعدهم حتى أصبحت جزءا من أجسادهم، وكأن الكراسي قد أفرغت من محتواها وثبتت بالمسامير في أبدية بئيسة. وهنا يكمن العجب كيف لمتناضل مفترض أن ينتفض ضد ركود الأمس، ليحتضن ويذوب بسلاسة مريبة داخل نفس المشروع العتيق، إنه التزاوج المشبوه بين ثورية شاشات الفيسبوك وديناصورات التسيير المحلي، اذ تطحن المبادئ في مهادنة ناعمة، ويتحول الصراخ المبدئي إلى صمت مطبق متى ما التقت مصالح الكراسي بالجيوب الفارغة.

فهل كانت هذه الأصوات ترضع من ثدي النبل وتدافع عن الطبقات الكادحة بعقيدة طاهرة، أم أن الأمر  مجرد  عملية سمسرة سياسية، وبحثا عن موطئ قدم للتقرب من أصحاب رؤوس الأموال والظفر ببقشيش موسمي…؟ فحين يباع الصوت بثمن بخس في سوق النخاسة السياسية، وحين تستبدل بيانات الاستنكار بمآدب العشاء ومصافحة الأيادي الناعمة لأباطرة الريع، يتبخر النضال كقطرات الندى أمام شمس الظهيرة. لم تكن تلك الأقلام والصفحات سوى آلات حاسبة بشرية، تقوم ولاءها بالمتر المربع من الوعود الكاذبة، وبفتات مائدة منغمسة في تدبير الشأن العام بوصفه ضيعة خاصة لا مرفقا عموميا.

شهد إقليم الخميسات من سنوات حالات كثيرة من الكائنات الرقمية التي ظهرت بغتة وستختفي حتما كالسراب. فقاعات صابونية لمعت لبرهة تحت أضواء الفلاشات الكاذبة، قبل أن تنفجر وتتلاشى في الهواء، لأن خطيئتها الكبرى لم تكن في قلة حيلتها، انما في إعلان ولائها السافر لجهات سياسية مرفوضة شعبيا ومفضوحة تاريخيا. تلك الجهات التي ظنت أن بإمكانها إعادة تدوير الوجوه عبر أذرع رقمية مستأجرة، نسيت أن ذاكرة الأرض أعمق من تخاريف الشبكات، وأن الشعب وإن طال صمته، فإنه لا ينسى من خان الأمانة وباع القضايا بسعر الجملة.

فحكاية فقاعات اقليم الخميسات، بدأت بصرخة مدوية تحاكي هدير الوديان، وانتهت بهمهمة خافتة في زوايا الظل، تماما كأحلام طفل ضائع في سوق أسبوعي صاخب. فسلام على نضال ولد ميتا على عتبات المصالح، وبئس مصير من ظن أن عرش الكراسي الخشبية يدوم، أو أن شعوب الهامش ستنسى يوما من تواطأ على بيع آلامها في سوق البقشيش السياسي.

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.