بقلم : العربي بويمجان –تنطفئ تدريجيا أضواء الحملات الانتخابية وتتطاير قصاصات الورق والشعارات الرنانة في شوارع إقليم الخميسات، لا يهدأ بال الامساء السياسية الثقيلة ولا خيام المترشحين. فما أن تفرز صناديق الاقتراع وتهدأ عاصفة الحبر الإسفلتي، حتى تبدأ المعركة الحقيقية التي لا تقل شراسة عن سابقتها المتمثلة في معركة الطعون القضائية والإدارية. غير أن المتأمل في مشهد الطعون بإقليم الخميسات يكاد يزم شفتيه ابتسامة، متسائلا بمرارة ساخرة عما إذا كنا أمام التماسات قانونية جادة لتصحيح المسار الديمقراطي أم مجرد فض غبار ورفع عتب سياسي لن يغير من خارطة النتائج شيئا تماما كمن يحاول إيقاف قطار البراق بنفخة سيجارة.
وتعتبر الطعون الانتخابية في إقليم الخميسات بمثابة طقس تقليدي من طقوس ما بعد الهزيمة. المترشح وزع الوعود العرقوبية ببناء الجسور حيث لا توجد أودية يجد نفسه فجأة أمام حتمية تبرير هزيمته أمام أنصاره ومموليه. هنا تحلل الأوراق وتختلق المبررات على غرار أنهم لم يهزموا انما سرقتهم الصناديق الخفية. يصبح الطعن الانتخابي في الوجدان السياسي الاقليمي مجرد مهدئ عصبي لتسكين ثورة المزودين والأنصار والعاطفين والمتعاطفين. إنه باختصار بلاغ إعلامي طويل العرض معنون بعبارة سنلجأ إلى القضاء والهدف الخفي ربط خيوط الأمل الوهمي للقواعد لضمان بقائهم في الولاء التنظيمي إلى موعد الاستحقاق القادم. فالسياسي عندنا لا يتقبل الهزيمة بنبل الروح يفضل أن يلبسها ثوب المؤامرة الماكرة.
وتبدو الأمور أشبه بحسابات مهندس ميكانيكي لا يخطئ. الإدارة الترابية بإقليم الخميسات بخبرتها المتراكمة في تدبير المحطات الانتخابية تضع نصب عينيها دائما إحكام الطوق الإداري حول كل صغيرة وكبيرة. مكاتب التصويت ومحاضر الإحصاء واللجان الإقليمية تعمل بمنطق آلي صارم. وعندما تحصر المحاضر وتوقع بالألوان الثلاثة ويختم كل شاردة وواردة تصبح مواجهة الإداريات عبر طعن شكلي أشبه بمن يحاول حرث البحر بمحراث خشبي. الإدارة لا تهزم بسهولة في ملاعبها فوثائقها ومحاضرها رسمية تتمتع بحجية قانونية قاطعة إلى أن يثبت العكس بدليل مادي ساطع كعين الشمس لكنه صعب في تضاريس اقليم الخميسات الانتخابية.
واذا طرقت ردهات القانون والمحكمة الدستورية فالمسألة تتحول إلى تمرين أكاديمي. القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية يفتح باب الطعون لمن له مصلحة بشرط أن يرفق الطعن بحجج دامغة ومستندات إثبات قاطعة. وغالبا ما تبنى طعون اقليم الخميسات على أساس أن فلانا قال إن عمه رأى سيارة مشبوهة قرب مكتب التصويت أو أن الناخبين الفلانيين تجاوزوا النصاب الأخلاقي في الوعود. والمحكمة الدستورية لا تقرأ طالع النجوم ولا تؤسس قراراتها على القيل والقال انما على الإثبات المادي الصريح لتجاوزات أثرت بشكل مباشر وحاسم على جوهر العملية الانتخابية ووجهت النتائج. فإن معظم الطعون إن لم تكن كلها مآلها المحتوم الرفض إما شكلا أو موضوعا أو التعديل الحسابي الطفيف الذي لا يغني والفائزون سيظلون في مقاعدهم الدافئة والخاسرون سيكتفون بدبلوم التبرير.
إن الطعون في نتائج إقليم الخميسات ستبقى مجرد زوبعة في فنجان ممزوج بالنعناع يستهلكها الساسة وتغض الإدارة الطرف عنها ببرود بيروقراطي ويقبرها القضاء الدستوري بدم بارد وأحكام جاهزة. أما النتائج النهائية فهي كالطبيعة في إقليم الخميسات ثابتة راسخة كأشجار البلوط لن تغير منها الطعون شيئا سوى أنها تمنحنا مادة دسمة للضحك على العبث الانتخابي المتجدد كل خمس سنوات.
![]()
