بقلم : شيماء المراكشي –تعتبر الثقافة في جوهرها الإنساني والكوني، فضاء للحرية ومختبرا للتفكير النقدي الجاد والهادف، وصوتا لمن لا صوت له. فإن أي فعل ثقافي حقيقي يولد من رحم الاستقلالية ويموت في أقفاص التبعية. غير أن الواقع المحلي لبعض المدن، ومنها مدينة الخميسات، يعيش على وقع توترات بنيوية بين ما ينبغي أن يكون عليه الفعل الثقافي، وما يتم ممارسته ميدانيا تحت غطاء الدعم العمومي.

عندما تتحول الجماعة إلى وصي على الفكر فالمنطق المفترض في الهيئات المدنية والثقافية خاصة المسرحية منها والأدبية الاشتغال كعين حارسة للمجتمع، وضمير نقدي يقظ يناهض كل أشكال التدجين والتطبيع مع الرداءة والاسفاف والانتهازية. فلجوء بعض المجالس المنتخبة – كجماعة الخميسات – إلى سياسة الاحتضان الموجه وتوزيع الدعم على جمعيات مقربة وموالية يطرح علامات استفهام كبرى حول الخلفيات والأهداف.

فحين تتحول الجماعة الترابية من إطار لتدبير الشأن العام وتوفير البنيات التحتية إلى راهن يوزع العطايا على المقربين، فإنها لا تمول الثقافة انما تمول الولاءات فتنقلب الأدوار اذ تصبح الجمعية التي مفترض فيها أن تدافع عن حرية الإبداع مجرد موظف لدى المؤسسة المنتخبة تصفق لقراراتها وتبرر تعثراتها وتساهم من في تشرذم الفعل الثقافي وتخلق مساحات للتطاحن بدل خلق جبهة موحدة للدفاع عن الحق المشترك.

إن كل جمعية مسرحية أو ثقافية تسعى للاستفراد بالدعم العمومي وتوصد الأبواب أمام الشفافية وتكافؤ الفرص، إنما تضع قيمتها الثقافية ومصداقيتها في قفص الاتهام. فالثقافة الحقيقية لا تخاف التنافس الشريف ولا تخشى تعدد الأصوات. وحين تغيب المعايير الموضوعية في الدعم وتتحكم حسابات الزبونية السياسية والقرابة الولائية، تتحول الأنشطة الممولة إلى مهرجانات موسمية باردة، تفتقر إلى الأثر العميق في وجدان الشباب والمواطنين وتقتصر على ديكورات استعراضية تخدم أجندات عابرة ولا تبني وعيا مستداما.

إن أخطر ما يهدد الحقل المدني ليس قلة الإمكانيات فحسب انما أزمة الوعي والانزلاق نحو ثقافة الاستسلام المبرر. إن التضامن الفعلي بين الفاعلين الجادين يعد حجر الزاوية لأي تحرر ثقافي حقيقي، فبدون جبهة ثقافية ترفض الاستقطاب وتتصدى للريع ستبقى المبادرات المستقلة تواجه الاستفراد والنفي لوحدها.

تغض الجمعيات الطرف عن الاختلالات مقابل فتات الدعم  يشكل ضربا صريحا في عمق المبادئ التي تدعي تلك الجمعيات الدفاع عنها. فحين يباع الموقف الإبداعي بثمن بخس من الدعم الجماعي، تسقط أوراق التوت عن كل خطابات التنوير والحداثة التي ترفعها تلك الإطارات، لتتحول إلى مجرد واجهات استهلاكية لا علاقة لها بهموم المواطن ولا بأسئلة التنمية الثقافية الحقيقية.

إن مدينة الخميسات بتاريخها النضالي وطاقاتها الشبابية والابداعية الحية، تستحق مشهدا ثقافيا يرتفع إلى مستوى الانتظارات. والخروج من النفق المظلم يتطلب إرساء معايير صارمة وشفافة في توزيع الدعم العمومي تبتعد عن لغة المحاباة والولاءات الحزبية الضيقة، وتحصين الفعل الثقافي باعتباره شأنا مجتمعيا مستقلا عن الحسابات الانتخابية الظرفية، وبناء وعي مدني تضامني يلفظ كل أشكال الوصاية ويؤكد أن الثقافة لا تشترى بالمال، انما تنتج بالحرية والجرأة والالتزام بقضايا الإنسان والمجتمع.

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.