بقلم : مريم امزيل –خلف واجهة الشعارات المرفوعة حول إرساء دعائم الدولة الاجتماعية وتعميم الحماية الاجتماعية، يعيش القطاع الصحي بإقليم الخميسات على وقع مفارقة صادمة ومؤلمة. فالمؤسسات الصحية التي يفترض أن تكون ملاذا للمرضى ومصدر طمأنينة للمواطنين، تحولت في عمقها إلى مجرد هياكل إسمنتية وقاعات فارغة تفتقر لأبسط مقومات العلاج، بينما تحولت رحلة الاستشفاء للمرضى إلى هروب قسري نحو المستشفيات الجامعية والإقليمية بالمدن المجاورة تحت وطأة الإحالات المتكررة وغياب الأطر والتجهيزات.
المعاينة الميدانية لواقع الصحة باقليم الخميسات تكشف عن بون شاسع بين الخطابات الرسمية المشرقة والواقع القاتم الذي يكتوي بناره المواطنون يوميا. فجل المستوصفات والمستشفيات بالإقليم لم يبق فيها سوى الجدران المصبوغة، في حين تغيب الموارد البشرية الكافية والخدمات الأساسية. وحين يطرق المريض باب المؤسسة الاستشفائية بحثا عن علاج أو إسعاف استعجالي، يجد نفسه وجها لوجه أمام الفراغ ، والمخرج الوحيد في ورقة إحالة نحو مستشفيات الرباط أو سلا أو القنيطرة، في رحلة معاناة إضافية تنهك الجيوب وتضاعف الآلام، وتفرغ الحق الدستوري في التطبيب من كل محتوى.
فالنزيف الصحي بالخميسات لا يتوقف عند حدود الفراغ ونقص الأطر، انما يتجاوز ذلك إلى الاغرب والاكثر خطورة، ويتعلق الأمر بتلك التجهيزات الطبية واللوجستيكية الحديثة التي يعلن عن استقدامها لخدمة المرضى، لتفاجأ الساكنة باختفائها المريب في ظروف غامضة وبشكل دراماتيكي فور وصولها. فكيف لتجهيزات حساسة ومكلفة، ممولة من المال العام لرفع المعاناة عن المرضى، أن تتبخر دون أثر …؟ وأين تذهب الآليات والتقنيات الموجهة للمصالح الحيوية…؟ يطرح اللغز المتكرر علامات استفهام كبرى حول غياب آليات الصرامة والتتبع، ويضع شكوكا ثقيلة حول تدبير الصفقات العمومية، لتظل صحة المواطن رهينة حسابات ضيقة بعيدة كل البعد عن المسؤولية الأخلاقية والمهنية.
استمرار الوضع المتردي لسنوات دون أفق حقيقي للتغيير يضع الإدارة الوصية والجهات المنتخبة في قفص الاتهام. فالتستر على الاختلالات وغياب التطبيب، والاكتفاء بسياسة تدبير الأزمات اليومية، وغياب لجان التفتيش المركزية الصارمة لافتحاص مسار الصفقات والتجهيزات، يكرس شعورا بالحصانة المفترضة لبعض المسؤولين الذين أثبتوا عجزهم عن النهوض بالقطاع. إن الحديث عن إصلاح منظومة الصحة الوطنية سيبقى حبرا على ورق ما لم يلامس الجوهر، وما لم يتم تطهير الإدارة المحلية من مظاهر العبث وسوء التدبير، وربط المسؤولية بالمحاسبة الحقة عبر افتحاص صارم لكل فلس أهدر في تجهيزات يتم تركها في المخازن للضياع أو مسارات علاجية مجهضة.
إقليم الخميسات بطاقاته وتاريخه وساكنته التي تحملت الكثير، لم يعد يحتمل مزيدا من العبث بصحته وكرامته. وحين تتحول المستشفيات إلى مجرد جدران صامتة وتختفي التجهيزات أمام أعين الجميع، فإن الأمر يتجاوز خانة سوء التدبير إلى ما هو أعمق. والخطوة الأولى نحو الإنقاذ تقتضي تدخلا عاجلا من السلطات المركزية لفتح تحقيقات نزيهة وشجاعة تكشف مصير التجهيزات المختفية، وتضع حدا لمهزلة إحالة المرضى، لإعادة الاعتبار للمستشفى العمومي كحق أصيل للجميع لا كواجهة فارغة.
![]()
