بقلم : ال عشاق –أهلا بكم في رحاب البلاغة الخشبية، اذ يعاد كتابة التاريخ الفني لمدينة الخميسات منذ سبعينيات القرن الماضي.. ليس على ركح المسرح، انما على طاولة الكواليس ومنحنيات الدعم العمومي الرخوة! أستفزنا حقا تلك الخرجة المتنطعة والنطاطة لمتسول الدعم ويتحسس مواضع الاستحقاق الفني بحذر شديد ويحاول شرعنته وتبرئة الذمة عبر الركوب على مبدا الاحسن والافضل والاجدر ، وكأننا أمام فيلسوف إغريقي هبط للتو من جبل أوليمب ليحدثنا عن الأمانة الفكرية والكفاءة المهنية، متناسيا عن حسن نية بالطبع، أن أكبر إنجاز مسرحي راكمه البعض ربما لا يتجاوز تحويل الدعم العمومي المفصل على المقاس إلى ركح وهمي يصفق فيه الخيال وحده! يخبر (المسرح) الذي يعرف كيف يطرق الابواب سرا بحثا عن الشفيع بكل وقار أن مدينة الخميسات أنجبت أسماء وازنة منذ السبعينيات. جميل جدا… ونسي حارس المسرح القادم من الغيب الى سوق الخميسات أن يضيف عبر سؤال اكثر قوة واقتحاما ، هل ورثت الأجيال اللاحقة الإرث العظيم، أم ورثت فقط المهارة العالية في اقتناص الغلاف المالي خارج كل معايير الشفافية والموضوعية…؟ حين يتحول تاريخ مدينة بأكملها إلى يافطة تستعمل كمبرر لاستجداء الدعم، يصبح الحديث عن الكرامة الفنية أشبه بخطبة عن العفة تلقيها عاهرة …
يا لروعة السيرة الذاتية…! تكوين في معهد جزيرة الواقواق، وتكوين في الشمعي البصلي بمدينة النحاس سنة 2025، وورشات دولية.. ما شاء الله فالرجل نسي ان يستعرض المنتوج…ويبدو أن العبقرية الفنية لا تكفيها عقود من الممارسة الميدانية، انما تحتاج إلى تحديثات سنوية شبيهة بتحديثات الهواتف الذكية لتبرير أحقية الاستفادة من الكعكة العمومية. فبينما يكتوي الفنان الحقيقي بنار التهميش وشح الإمكانيات، تجد المحترف الدائم يترزق بالشواهد والورشات ليبرر بها كيف استطاع أن يلوي ذراع المعايير الموضوعية ويظفر بالنصيب الأوفر من الدعم، وكأن المال العام صندوق تركات وزع على المستحقين بفضل كرم الصدف…!
يتحدث متسول الدعم العمومي بلسان العارف المتبحر عن الكفاءة المهنية وهي كفاءة عالية في ملء الاستمارات واستمالة اللجان، والتجربة الميدانية التي تختبر غالبا على ورق حسابات البنوك لا على خشب المسرح، والأمانة الفكرية ذروة المفارقة السمجة و الوقحة حين يتحدث عن نزاهة الإبداع من يقتات على ريع الدعم الممنوح خارج منطق الاستحقاق، وكرامة الممارسة الفنية والتي تبدو في أبهى صورها حين تباع وتشترى تحت غطاء المشاريع المدعومة. يختم صانع المرافعة المتصحرة بالقول، المسرح أكبر من الأشخاص، والاستحقاق أكبر من الادعاء، والتاريخ لا يكتب بالضجيج..
ونحن نهمس في اذنيه صادقين: صدقت والله! التاريخ فعلا لا يكتب بالضجيج، انما يكتب بالشيكات البنكية ومحاضر التوزيع الملتبسة للدعم العمومي التي جعلت من المسرح واجهة تجارية مقدسة، ومن الدعم العمومي حلالا بينا لمن يتقن فن التموقع! فهنيئا للخميسات بتاريخها المجيد.. وهنيئا للمبدعين الجدد بفن الاستفادة الاستثنائية خارج القانون والمعايير…!
و المخجل ان يعود صاحب التاريخ الطويل في الاشعاع المسرحي الغائب والباهت ليختم صهوة دفاعه الارتجالي والنكوصي بحكم مستهلكة وكأن التاريخ يمحو بفقرة إنشائية أخيرة كل خطايا الغنائم والريع وبأن المسرح أكبر من الأشخاص وأطهر من جيوب المنتفعين لكنه يتطير من السؤال البسيط المباشر أين ذهبت ملايين الدعم العمومي وكيف تحول استحقاق الخشبة إلى وذيعة بنكية على مقاس المحظوظين.
فالحقيقة المرة التي لا ترتدي مساحيق التكوينات ولا بهرج الشواهد أن الفساد حين يرتدي قناع الثقافة ويستعين بتواريخ العباقرة الراحلين ليبرر صفقات الكواليس لا يغدو سوى استعراض مقيت للبؤس الأخلاقي وإن التاريخ الحقيقي لمسرح الخميسات لن يكتبه المستفيدون من كعكة الترضيات انما سيخطه أولئك المهمشون الذين يصنعون الفرجة من رذاذ العرق ودموع الإبداع الصادق( با حسين) بلا دعم ولا منابر ولا جوائز تفصل على مقاس الأصدقاء والولاءات فتبا لمسرح يعتاش على استنزاف المال العام وعار على من يبيع مقدسات الفن بثمن بخس في سوق النخاسة البيروقراطية.
المسرح الحقيقي لا يولد تحت أضواء القاعات المكيفة ولا يرضع من ثدي الدعم العمومي الملوث بمنطق الولاءات والترضيات انما يتنفس في الهواء الطلق من رئة الحرية المطلقة حيث لا شروط للمقاسات ولا تقارير مالية تكمم شقشقة الممثلين فوق الخشبة ، فالنص الحقيقي يكتبه الجوع والوجع والرفض لا دفاتر التحملات البيروقراطية التي تفصل الإبداع على قدر الكيس المالي للمحظوظين، فالفن حين ينتفض يرفض أن تكون قيوده من ذهب الميزانيات العمومية وحين يشرق فوق الخشبة يصرخ عاليا بأن العبقرية تتغذى على الشجاعة والتمرد بينما الريع والفساد السياسي لا ينجبان سوى مسوخ كرتونية تصفق لمن يدفع أكثر وتبيع الروح في سوق النخاسة الثقافية طمعا في فتات موائد اللجان.
![]()
