بقلم : ال عشاق –في زمن هزال الفنون وتراجع الخشبة عن دورها الوجودي، لم يعد المسرح يشتكي من قلة الإمكانيات، انما من كثرة المتطفلين الذين يحولون الجثث الهامدة إلى وليمة استرزاق. والانكى ان يخرج يخرج ممارسو الانبطاح التنظيمي ببيانات تدعي النقاء الفني والمصداقية في جماعة الخميسات التي تربط الدعم بالولاء والطاعة، محاولين إقناع المثقفين والمسرحيين على الخصوص بأن قاعات العروض الممتلئة بعابري السبيل تعد فتحا مبينا في عالم الإبداع، بينما لا يعدو الأمر كونه تجميعا قسريا لتأثيث الفضاء وإقناع لجان الدعم بأن المال السائب قد وجد من يبتلعه باسم الفن.
إن مأساة المسرح في الخميسات لا تكمن في غياب الجمهور، انما في وجود كائنات جعلت من خشبة المسرح شباك تذاكر لبيع الأوهام وممارسة التسول المبطن. يتشدقون باحترام التخصصات والتاريخ العريق ومتحدثين بلغة الاستعراض عن التواجد المستمر في الساحة وتقديم النصوص وكأن كثرة الضجيج والتكرار تعني حتما تراكما كميا ونوعيا، وهنا يبرز السؤال الفاضح و الواضح باعتبارنا متتبعين للشان الثقافي ، أين التراكم النوعي والكمي المزعوم…؟ أين أثره في الذاكرة الفنية للمدينة إن لم يكن مجرد استنساخ بائس لحركات مستهلكة ونصوص باهتة لا تقنع حتى أصحابها…؟ كائنات زئبقية تبني أمجادا من ورق وتحتفل بإعادة عرض مسرحية لمرات عدة وكأنهم أعادوا اكتشاف المسرح، في حين يعلم الداني والقاص أن ملء القاعات بالدعوات المجانية وعائلات الطاقم الإداري ليس نصرا إبداعيا، انما عملية تجميلية لجثة فنية لم تعد تثير سوى الشفقة.
والادهى والمضحك توزيع الثناء والشكر بين الإدارة والتواصل والتقنيين…..( شكون شكرك يا لعروسة) في حفلة توزيع جوائز وهمية يمنح فيها الارتزاق لنفسه شهادات الجودة، بينما الروح غائبة والنص مجرد ذريعة لتقديم ملف الدعم السنوي الذي يوزع على مقاس الولاءات والمحسوبية. إنها شقشقات متطفلين يعتاشون على ما تبقى من رماد أب الفنون، يقتاتون على جدران المؤسسات ويبيعون كلاما إنشائيا طنانا لا يرتقي بالركح ولا يقدم للشان الثقافي اي اضافة لا تغني من جوع فني.
ويفرض السؤال نفسه بحرقة على جوقة المتطفلين الذين يستعرضون فتوحاتهم الوهمية، ما القيمة الجمالية أو الفكرية للأعمال التي تتغنون بتقديمها واستحضارها بدون خجل…؟ ولماذا تبخر تأثيرها في سماء المدينة بمجرد إغلاق أبواب القاعة، فلم يتبق منها أثر في وجدان الناس ولا حديث في المقاهي والازقة ولاحتى بين اهل المسرح …؟ ثم أين الممثلون والمبدعون الذين تتحدثون عن تميزهم، ولماذا لا نرى لأسمائهم أو تجاربهم أي حضور في المسارح الوطنية أو المحافل الفنية الحقيقية خارج حدود الدعم المشروط….؟ في الحقيقة التبست علينا الأمور صراحة، هل يتحدث عراب الجمعية حقاًعن المسرح بمعناه الإنساني والجمالي السامي، أم أنه يتحدث عن شيء آخر تماما لا علاقة له بالفن، كصفقة إدارية أو تمرين في تقديم الولاء مقابل غنيمة الدعم…؟
وفي الأخير، لا يسعنا سوى أن نقول لهؤلاء الذين تحلبت أفواههم على الدعم وسالت رغباتهم خلف الريع ، إن للمسرح حرمته وقداسته، وللخميسات تاريخها وعزة أبنائها التي لن تتسخ بما تقترفه أيدي المنبطحين والمتسولين . المسرح أكبر من ملفات الدعم المسمومة، وأسمى من حسابات انتخابية ضيقة، وشرف الخشبة سيظل ينفض عن جسده كل طفيلي يحاول تحويل الفن إلى دكان للتسول. فمهما تهافت ومهما انبطح دعاة الثقافة والفن ، سيبقى المسرح ملكا للحرية والإبداع الصادق، وستبقى المدينة شاهدة على من صان كرامة أب الفنون، ومن اتخذه وسيلة للارتزاق.
![]()
