بقلم : مريم امزيل –أبهرتنا عبقرية التدبير المحلي بجماعة حودران التابعة لإقليم الخميسات باختراع غير مسبوق يتمثل في كيفية تحويل25 مليون سنتيم سنويا إلى مهرجان فني يرقص على نغماته العطشى. لا تبحثوا معنا عن آبار أرتوازية، ولا تقوموا بمد أنابيب الماء الصالح للشرب، ولا تتعبوا أنفسكم بالتفكير في فك العزلة عن دواوير تعاني الأمرين، فالنشاط اولوية قصوى ومفخرة الجماعة واشعاعها.
فالمستشار الجماعي الهمام وجمعيتة الموقرة وجدوا الحل السحري الذي يروي غليل التنمية عبر حفل استعراضي سنوي ينسي المواطنين هموم الحفر والطرقات المقطوعة ويجعلهم يسبحون في خيال الألحان بدل مياه الصنبور المفقودة والصحة والامن والتعليم والبطالة في ارتفاع . دعونا نضع المقارنة البسيطة التي تعجز عقول المهندسين الإداريين في حودران عن استيعابها؛ حيث تصرف 25 مليون سنتيم سنويا لمهرجان الجمعية بسخاء منقطع النظير لتمول بها المنصات ومكبرات الصوت الجهنمية التي تطرد صمت الليل، بينما الأطفال في الدواوير النائية يحفظون عن ظهر قلب مسافات الأميال الطويلة التي يقطعونها أقداما نحو المدارس تحت المطر والقر.
ويظل طلب اقتناء سيارات لنقل التلاميذ مستحيلا ومعقدا يتطلب ميزانية ضخمة لا تقوى عليها الجماعة، فأين الأجدر بناء جيل يتعلم، بدل بناء شطحة موسمية تدوم لأيام معدودة وتترك الأثر المالي في الحساب البنكي للجمعية والرماد في عيون الساكنة. حين يمشي التلميذ كيلومترات طويلة عبر مسالك وعرة ومقفرة ليصل إلى قسم دراسي مكتظ، ويقابل ذلك مستشار جماعي يوقع بسلاسة دعما سنويا ثابتا لجمعية تابعة له شخصيا، ندرك أننا أمام هندسة تنموية من نوع فريد تقوم على تخدير الجياع والعطاشى بالبهجة المؤقتة.
فالماء الشروب ترف لا داعي له لأن العطش يقوي المناعة وينعش الذاكرة، والطرقات والمسالك مجرد عوائق طبيعية تختبر لياقة المواطن وصبره ، والنقل المدرسي مسؤولية تترك للطبيعة وساقي الأطفال البريئة، بينما المهرجان الثقافي الخاص جدا يظل أولوية مطلقة لا تقبل النقاش ولا التأجيل. لا تلوموا القائمين على الشأن المحلي في جماعة حودران يؤمنون تماما بالمقولة التي تقول إن الرقص يطرد الهم والفقر، حتى وإن كان الفقر يأتي على شكل صنبور جاف ومسلك متهالك وحافلة مدرسية غائبة ، فإلى متى تبقى دواوير جماعة حودران تنتظر غيث التنمية الحقيقية بينما تذهب الملايين لتروية شغف مهرجانات لا تطعم جوعا ولا تسقي عطشا…؟

![]()
