بقم : ال عشاق –يقال إن الخطأ إنساني ولكن الخطأ في المحررات الرسمية مقدس. بعد نشر مقال حول المخالفات المرورية انهالت سيول من المعطيات الميدانية والقصص التي لو عرضت على كتاب المسرح الكوميدي لرفعوا راية الاستسلام، إذ اتضح أن شوارع وأزقة  الخميسات  لا تضبط فقط برادار السرعة أو بنظارات الشرطي انما تدار بنوع جديد من الفيزياء التي تسمح للمركبة بالتواجد في مكانين في الوقت نفسه.

أغلب الشكايات التي وردت لم تكن تتذمر من قيمة الغرامات انما من عبقرية التوثيق والاسلوب، إذ تشير إحدى المحاضر الفريدة إلى وقوع مخالفة مرورية واحدة في شارعين مختلفين( محمد الخامس وخالد بن الوليد)  يفصل بينهما بضع كيلومترات وفي نفس الدقيقة والثانية. وهنا نقف إجلالا أمام الطفرة العلمية، فهل يمتلك الشرطي قدرة خفية على ثني الزمان والمكان، أم أن السيارة المعنية تسير بالسرعة المحددة في الشارع الأول وتتجاوز سرعة الضوء لتصل إلى الشارع الثاني في أجزاء من الثانية، أم أن الأمر خربشات قلم على كتيب المخالفات أثناء التفكير في وجبة الغداء.

بعض محاربي الطريق من رجال المرور وصلوا إلى مرحلة من التجرد الإداري تجعلهم يحررون المحاضر بعيون مغمضة وقلب مطمئن، فالورقة شريفة والقلم سيال والمواطن مخالف حتى يثبت أنه لم يولد بعد. ولأن المواطن المغلوب على أمره لم يعد يتفاجأ برؤية سيارته تترجل وتتسلق الأرصفة في المحاضر الرسمية، فقد أدرك أخيرا أن السكوت لم يعد حلا خفيفا على الجيب.

أمام الشطط غير المبرر  قرر عدد من الضحايا عدم الاكتفاء بالضحك،  انما التوجه رسميا بشكايات وملاذات قانونية إلى المديرية العامة للأمن الوطني لتذكيرها بأن رجالها بحاجة أحيانا لخرائط لتحديد المكان الذي يقفون فيه قبل تسطير المخالفات، وإلى المحكمة الإدارية لرفع الضرر وإعادة الاعتبار للمنطق والعقل قبل القانون. نتمنى مخلصين أن يحمل القضاء الإداري معه مسطرة قياس المسافات ليعيد رسم حدود الواقع، للخروج من زمن المخالفة في الشارع الأول والحجز في الشارع الثاني والتسديد في مجرة أخرى.

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.