بقلم : مريم امزيل –إذا أردت أن تدرس واحدة من أعمق الظواهر الغريبة في عصرنا الحديث، فلا داعي للذهاب إلى المقتنيات العلمية المعقدة، فقط قم بزيارة خاطفة لإقليم الخميسات وتفحص ملفات المشاريع المدرة للدخل التابعة للتنمية البشرية. هنا تمكن بعض المستفيدين بمؤازرة عبقرية من لجان المتابعة من تحقيق كشف باهر يتمثل في قانون الفناء السريع للمال العام.

تبدأ الحكاية بوجود حفل بهيج تقص فيه الأشرطة الحمراء وتلتقط فيه الصور التذكارية بجانب آليات ومعدات تلمع تحت أشعة الشمس، من ماكينات خياطة متطورة وتجهيزات مخابز وآلات حديثة ومستلزمات اقامة وتنظيم  الحفلات واحضار الصوتيات، مع ابتسامات عريضة ووعود براقة بإنهاء زمن البطالة والهشاشة. لكن وما إن تبتعد سيارات المسؤولين وتجف قطرات حبر عقود التمويل، حتى تبدأ المعجزة.

في ظرف أربع وثمانين ساعة، يتبخر المشروع بالكامل وكأن الأرض انشقت وابتلعت الآلات والعمال والمقرات تغلق. بعض العباقرة لا يضيعون الوقت، حيث يأخذون الآلات والمعدات ويمتطون أول شاحنة لنقل البضائع نحو مدينة مجاورة كمدينة سلا أو القنيطرة، وهناك تباع الغنيمة في سوق المستعمل بأسعار بخسة، ليعود صاحبنا في اليوم التالي يرتدي جلبابه القديم ويمارس هواية التسول وتعداد مظالمه أمام المحسنين.

الطرف الأكثر إمتاعا في الملهاة ليس المستفيد الذكي، انتما لجان المتابعة والمراقبة التي تمتلك حسا أدبيا رفيعا يتجاوز الخيال. تجلس اللجنة لتكتب تقاريرها الميدانية بكل تجرد ونزاهة، مؤكدة أن المشروع يمر في ظروف ممتازة ونسب النمو مشجعة والمستفيد أبدى جدية عالية في تدبير آلياته. لو فتح أعضاء اللجنة أعينهم قليلا خارج المكاتب المكيفة، لوجدوا أن المستفيد الأول اشترى بالدعم المالي سيارة جديدة يتباهي بها في المقاهي وحول الدعم المخصص لمشروعه إلى تسقيف شقة أو شراء بقعة أرضية، بينما نقل المستفيد الثاني معداته إلى مدينة أخرى وحول العائدات لصالحه الخاص قبل أن يعود لممارسة التسول.

استطاع الإقليم بفضل الهندسة الفذة أن يقدم مفهوما جديدا للعدالة الاجتماعية  يتمثل في تنمية الفرد ومحاربة الاقصاء الاجتماعي والفقر والهشاشة  على حساب المجموعة. فالمشروع لا يدر الدخل على الاقتصاد المحلي ولا يخلق مناصب شغل للشباب، انما  يدر الدخل الفوري على بائع السيارات المستعملة والمنعش العقاري وبائع الآلات في المزاد. أما النتيجة النهائية فهي تقارير جافة بأرقام وردية ترفع في الاجتماعات الرسمية تؤكد أن نسبة المشاريع الناجحة مرتفعة جدا، فسلام على التنمية البشرية وحفظ الله لجان المتابعة التي تجعل من الفشل المالي رواية نجاح مكتملة الأركان.

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.