تستقبل فرنسا أسبوعا جديدا من الحراك التلاميذي الذي انطلق منتصف سبتمبر الماضي من ضواحي باريس اعتراضا على النقص الحاد في الكوادر التعليمية وتدهور البيئة المدرسية. وفي غضون ثلاثة أسابيع توسعت التحركات لتتحول إلى موجة غضب وطنية تضع حكومة سيباستيان لوكورنو أمام مأزق اجتماعي وسياسي معقد، بالتزامن مع الترقب ليوم تعبئة حاسم اليوم08-10-2026 قد يرسم الملامح القادمة للاحتجاجات.
وأفادت وزارة التربية والتعليم الفرنسية بقرار تعليق الدراسة كليا أو جزئيا يوم الاثنين 5 أكتوبر في نحو 400 إلى 500 ثانوية من أصل 3700 مؤسسة تعليمية لتعذر توفير إجراءات السلامة اللازمة. ووصفت صحيفة لوموند الحراك بأنه من بين أضخم المظاهرات التلاميذية التي شهدتها البلاد خلال العقود الأخيرة.
ترتكز المطالب الأساسية للمحتجين على سد الشاغر في أعداد المعلمين وتوفير البدلاء أثناء الغياب، ومعالجة مشكلة اكتظاظ الفصول وتأهيل البنى التحتية المتهالكة، إضافة إلى تخفيف أوقات الجداول الدراسية وإعادة النظر في نظام القبول الجامعي باركورسيب. ولم تأت الحركة بدفع من تنظيمات نقابية أو أحزاب سياسية في بدايتها انما خرجت بصفة عفوية بين الثانويات، و لعبت شبكات التواصل الرقمي دورا محوريا في نقل شرارة المظاهرات وتوسيع نطاقها جغرافيا.
وسرعان ما خرجت الأحداث عن إطارها المدرسي، إذ شهدت الأيام الأخيرة أعمال تخريب وحرائق ومواجهات، أسفرت عن تسجيل نحو 5000 حالة توقيف معظمهم قاصرون، وإصابة عشرات العاملين في القطاع، فضلا عن تضرر عدد من المنشآت. وفي مقابل التركيز الحكومي على البعد الأمني، وجهت أحزاب اليسار والنقابات انتقادات حادة للسلطات، متهمة إياها بالاستخدام المفرط للقوة وتنفيذ توقيفات جماعية غير مسبوقة ضد مراهقين.
تتميز الحركة بالخصائص النمطية لجيل زد، اذ تغيب عنها القيادة المركزية الموحدة، وتعتمد كليا على المحتوى الرقمي للانتشار، مع تركيز مطالبها على المشاكل اليومية للتلاميذ بدلا من بلورة رؤية أيديولوجية شاملة. والطابع اللامركزي يصعب مهمة احتواء الحركة من قبل الحكومة والنقابات على حد سواء. وقد حذرت قيادة شرطة باريس من فقدان المحركين الأوائل للحراك السيطرة عليه، متوقعة دخول عناصر ومجموعات عنيفة على الخط.
وبدأ الحراك يتقاطع مع سياقات اجتماعية أوسع، إذ أعلنت ست نقابات تعليمية دعمها لتعبئة الثلاثاء مع خيار الإضراب، فيما دعت الكونفدرالية الفلاحية المزارعين للالتحاق بالمسيرات بجراراتهم. وتحذر التقديرات الصحفية من مخاطر تشكل ائتلاف غضب يدمج ملف التعليم بقضايا القدرة الشرائية وأزمة الطاقة والمناخ وسياسات التقشف.
كما دخل حزب فرنسا الأبية على خط الأزمة بشكل مباشر عبر التواجد الميداني لنوابه إلى جانب التلاميذ والمشاركة في مقاطع مصورة حققت انتشارا واسعا. وبينما تتهم الحكومة واليمين الحزب باستغلال غضب الشباب وتأجيج الشارع، ينفي قادة الحزب وأكد جان لوك ميلانشون أن الحركة تنظم نفسها بنفسها داعيا إلى الالتزام بالطابع السلمي، فيما عبر مانويل بومبار عن أسفه لأعمال العنف، معتبرا أن الحكومة تحاول اختزال مطالب التلاميذ في التجاوزات الفردية.
وعلى الرغم من الاستعادة الذهنية لمظاهر المتاريس والمواجهات التي تذكر بانتفاضة مايو 1968، يرى مراقبون أن المقارنة لا تزال مبكرة، فانتفاضة مايو 68 انطلقت من الجامعات وامتدت لإضراب عمالي شامل شل اقتصاد البلاد، بينما يظل حراك 2026 ذو طبيعة تلاميذية في جوهره،أقرب وفق باحثين إلى الاحتجاجات التلاميذية لعام 1990 التي انطلقت أيضا من ضواحي باريس رفضا لتردي ظروف المدارس.
ويشكل يوم الثلاثاء 6 أكتوبر اختبارا حقيقيا لاتجاه الأزمة، بعد دعوات اتحادات التلاميذ والطلاب ليوم احتجاجي شامل تحت اسم الفصل الثالث في استدعاء لرمزية حراك السترات الصفراء، بمشاركة نقابات تعليمية ومهنية. وتأتي التطورات في توقيت اقتصادي حرج، حيث تستعد الحكومة لمناقشة ميزانية 2027 القائمة على ضغط الإنفاق وتقليص العجز، مما يضاعف الضغوط المالية والسياسية على السلطة التنفيذية. ويبقى الرهان بمدى قدرة الحراك على التحول إلى حركة عابرة للقطاعات والفئات، أو بقائه في حدود الموجة التلاميذية المؤقتة.
![]()
