بقلم : محمد الفقير-زمن غريب في اقليم الخميسات ، الزمن يرتجل واللوائح الإدارية تتقلب كموج البحر، تقع جماعة مقام الطلبة على خريطة العجائب والغرائب الطبية، وهنا لا تكمن الإثارة في كثرة الأطباء أو وفرة أجهزة التخطيط، في صورة حية مخلوق إداري نادر يهدد بقلب الموازين الادارية والمتمثل في طبيبة تحترم أوقات العمل.
نتحدث عن ظاهرة البنفسج الأبيض في صحراء المستوصفات، طبيبة تعتقد خطأ أن الساعة الثامنة صباحا تعني الثامنة صباحا، وأن الدوام الرسمي ليس مجرد مقترح أدبي قابل للنقاش أو الإلغاء تبعا لحالة المزاج أو تقلبات الطقس.تخيلوا مشهد الصباح البهيج يتوافد المرضى على المركز الصحي منذ صلاة الفجر متسلحين بالصبر وأكياس الدواء الفارغة وعبارات الاستغفار، والممرض يبحث بلهفة عن المفتاح الضائع، وجدران المستوصف تروي حكايات أجيال وأجيال من المرضى الذين انتظروا طويلا حتى أصبحوا يشخصون أمراض بعضهم البعض.وفجأة تلوح في الأفق معجزة القرن الحادي والعشرين تدخل الطبيبة الموقرة مرتدية معطفها الأبيض حاملة حقيبتها، والأدهى والأمر أنها تدخل في الوقت المحدد تماما.
وقع الصدمة مدوي في أروقة المركز، فالمرضى الذين اعتادوا ترويض أعصابهم في طابور الانتظار الطويل حتى منتصف النهار أصيبوا بدوار مفاجئ، وكيف لطبيبة أن تحترم الساعة الثامنة ألا تعلم أن العرف الجاري في المنطقة يقضي بأن يبدأ العمل حين تبلغ الشمس كبد السماء وتمكن الملل والتذمر من قلوب المرضى.
دخل كبار السن في نوبة من الشك متسائلين عما إذا كان اليوم هو السبت وهم لا يدرون، أو أن الزمان والمكان قد انحرفا عن مسارهما المعتاد، بينما وجدت فئة المتذمرين نفسها في ورطة حقيقية فلم يعد بإمكانها اتهام الإدارة بالغياب الجماعي منذ الفجر لأن الطبيبة المجتهدة قطعت عليهم طريق التذمر والشكوى، في حين وقف حراس باب المستوصف إجلالا وتخوفا يراقبون الكائنة الغريبة تفتح الباب وتباشر الفحص دون أن تضطر لإجراء مكالمة هاتفية عاجلة لحل مشكل النقل أو العائلة.
وفي جماعة مقام الطلبة تتنفس الارض عبق التهميش وتنتظر الطرقات معجزة الإصلاح، تتحول الأفعال العادية البسيطة مثل الالتزام بالقانون وأوقات العمل إلى حكايات ترويها الأجيال بدهشة بالغة.
فيا وزارة الصحة ويا ضمائر الإدارة الحية رفقا بسكان جماعة مقام الطلبة، فإن وجود طبيبة تحترم أوقات العمل قد يفسد على المواطنين متعة التذمر الأسبوعية ويحرمهم من فرصة حفظ أرقام هواتف سيارات الإسعاف عن ظهر قلب، ولكن لا بأس فلعلها بداية النهاية… نهاية الفوضى وبداية عهد جديد يداوي فيه الزمن جراح الإدارات.
![]()
