يسود في الوقت الراهن في الساحة الثقافية عامة والنقدية بشكل خاص خطاب مؤداه أن الشعر يعرف في المجتمعات العربية نوعا من الانكماش لصالح الرواية التي صعد نجمها وتلألأ وسيطر على الحقل الأدبي وتربع على عرشه ويأبى النزول منه ، وما إلى ذلك من الأوصاف والأحكام التي تصدر للأسف الشديد ليس من المتلقي أو المهتم البسيط وحسب ، بل حتى العديد من النقاد والكتاب يعزفون نفس السمفونية ويرددونها وكأنها قناعة لا يأتيها الشك أو الباطل من أي جانب ، مستندين في ذلك على العديد من المعطيات والقراءات التي تبدو في مجملها قريبة من الافتراضات والتخمينات أكثر منه من دراسات علمية ونقدية رصينة ، فأغلب الآراء التي تصب في هذا الاتجاه ، تقيس الأمور بمعيار المبيعات والاهتمام المفرط من طرف القراء، الشباب منهم بالخصوص بهذا الجنس الأدبي ، على حساب الأجناس الأخرى ومنها الشعر طبعا الذي يهمنا في هذا المقام ، وتماهي العديد من النقاد مع هذا التحول وهذا الاهتمام ، الذين يريدون من خلاله تغيير البوصلة نحو الرواية لغاية في نفس يعقوب ، فهل يجوز للناقد أن يكرس هذه المفارقة وأن يعطي الأولوية لجنس أدبي على حساب جنس آخر ، أم أن هواجس ذاتية وخلفيات معينة تقف حائلا أمامه للقيام بهذه الموازنة ؟ ما الذي يجعل الكثير منهم يوثرون ويجتهدون من أجل إقناعنا أن الزمن الذي نعيشه هو زمن الرواية ، والشعر لم يعد هو ديوان العرب ، وبالتالي أمست الرواية هي التي تحتل هذه المكانة ؟

لا أستسيغ هذه الحماسة الزائدة التي تسيطر على الكثير من المهتمين بالحقل الأدبي بعقد مقارنات بين الشعر والرواية ، وتفضيل هذا الجنس على آخر ووضع تقابلات بينهما ، فلكل مجال خصوصياته ومميزاته ، ولكل واحد منها وظائفه وتأثيراته وأدواره الاجتماعية والسياسية والثقافية ، وبالتالي فعالية ونجاعة هذه الأجناس تكون في تكاملها وتناغمها وليس في التفريق بينهما أو تصنيفها وفق معايير ذاتية ، ولذلك فالدفاع عن الحقل الأدبي وإغناؤه وجعله حقلا خصبا يخدم المجتمع ، لا يأتي من خلال خلق صراع وهمي بين هذه الأجناس ومن يقف وراءها ، وإنما يأتي بربط الجسور بينها ، وعدم وضع الحواجز بينها ، فمن العيب أن تجد روائيا مثلا يسخر من الشعر أو العكس ، أو قاص ينتقص من قيمة الشعر أو المسرح وما إلى ذلك ، وهذا ما نلمسه حقيقة في السنوات الأخيرة بين المبدعين في هذا الحقل ، أما حينما يتعلق الأمر بالنقاد فذلك حديث آخر ، فالناقد الذي لا يمكن أن يصبح كذلك الا بوجود هذه الأجناس والعطاء الإيداعي التي تنضح به ، تجده يأخذ مسافة كبيرة بينه وبينها وكأن الأمر لا يعنيه ، كما تلمس في خطابه نوع من التعالي ، وكأنه يريد أن يصنع لنفسه عالما خاص به ، بينماالواقع يعتبره جزء لا يتجزأ من المنظومة الأدبية وعضو فعال فيهاله ماله وعليه ما عليه لا أقل ولا أكثر . وبالعودة إلى صلب الموضوع ، وللذين خرجوا اليوم ليحكموا على الشعر بالانكماش ، قياسا بالرواية ، فنقول لهم ، أن الشعر لا يقابل الرواية ، ولم يكن مقابلا لها أبدا ، ولا حتى لمختلف الأجناس النثرية الأخرى ، بهذا النوع من التعارض البدائي، بل إن الشعر كان شعرا بذاته ، أو جنسا لا يقاس الا بقدرته على اختراق نفسه ، وتجاوز معاييره القديمة ، أو بتحديد شعريته ، بما لا يجعله خارج الصيرورة ، ليس هناك كتابة شعرية واحدة ، ولا نموذج شعري واحد ، أو شكل كلي نهائي ، هو الشكل المثالي المرجعي ، الذي لا يحدث الشعر بدونه . بمعنى أن الكتابة ، هي دائما مغامرة فردية ، أو هي خصوصية ، وعمل إبداعي اختلاقي صرف . ولسنا في حاجة للتذكير أن الشعر له جذور قوية سواء في المجتمعات العربية أو غير العربية ، سواء قبل الإسلام أو بعده ، وبالتالي من المستحيل أن يتم اجتثاثه من هذه الجذور ونعلن وفاته كما يحلو للكثيرين أن يقولوا ، يعتبر الدكتور جمال الدين بن الشيخ في هذا الخصوص أن الشعر كان النتاج الوحيد للثقافة العربية ، أي أن الشعر كان نتاجها الأول ، وأنه كان التعبير أكثر دلالة ، وحتى في حالات إقصائه ، كان أكثر تمثيلا لأصالة عبقريتها . و في أوج الصراع السياسي في العصر الأموي ، انخرط الشعراء في هذا الصراع بين مختلف الفرق والاتجاهات ، أو الملل والنحل ، ظل الشعر وسيلة مواجهة ، مثلما يحدث اليوم في الصحافة والإعلام ، لسهولة انتقاله بين الألسن ، ولكونه كان خطابا شفاهيا ، يقبل الإنشاد والتداول ، من لسان إلى لسان . ونفس الشيء نجده عند شعراء آخرين الذين أثروا في المشهد السياسي والحزبي في بعض المجتمعات العربية كما هو الحال عند بدر شاكر السيابمثلا الذي كان في بعض شعره يدافع عن الشيوعية في بلده ، وهذا ما يكمن أن نقوله عن الشاعر الكبير محمود درويشالذي كانت قصائده تقض مضجع الكيان الإسرائيلي ، وأدونيس وسميح القاسم وغيرهما كثير من الشعراء العرب الذين مافتئوا يعبروا في قصائدهم عن امتعاضهم واستيائهم من الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تعيشها جل البلدان العربية ، وظلت أشعارهم جرس إنذار لتدارك ما يمكن تداركه قبل فوات الأوان ، كل هذه الأمور وغيرها نراها كل يوم ونلمسها ، وتعطي الدليل على أن الشعر لا زال حاضرا وبقوة في الساحة الثقافية العربية ، إن كان هذا يلفت أو يجذب اهتمام المتلقي أو الناقد ، أولا ، لا يهم ، الأهم هو أن الشعر له أتباعه ومبدعوه وله تعبيراته المختلفة التي ينفرد بها والتي تجعله دائم الحضور ، ويستعصي بذلك عن التحلل أو الضمور ، وبالتالي ليس هناك جنس أدبي يمكن أن يأخذ مكانه ، وحتى تتضح الصورة أكثر لا بد من الإشارة إلى أمر هام لطالما يتم التغافل عنه أو تجاهله ، وهو أن الرواية التي يراد له لها اليوم أن تكون رائدة وتحظى بمكانة خاصة في الحقل الأدبي عامة ، أليس في لغتها ، وأقصد الروايات الكبرى ، التي تؤسس لأفق إبداعي مفتوح ، تنطوي على الكثير من الشعر ، وقليل من النثر ، ما حدا بلجنة جائزة نوبل ، في تقاريرها حينما كانت تمنح الجائزة لروائيين معينين، أن تعتبر شعرية النص الروائي ، بين أهم ما يجعل النص يتميز عن غيره ، أو يجعل التجربة ، في ذاتها تكون خاصة تخرج عن العام والسطحي والمستهلك ، مما نقرأه في كثير مما يسمى روايات اليوم .

صفوة القول ، عموما ، إن مشكلة القراءة ، بقدر ما تطرح نفسها اليوم ، بإلحاح ، في واقعنا الثقافي ، بقدر الا ندعي أن الرواية اليوم ، هي ما يقبل عليه الناس ، لأن الزمن الاستهلاكي الذي نحياه اليوم ، ضاعف من أزمة القراءة ، كما ضاعف من أزمة المعرفة ، وأصبح كل ما يفرض نوعا من الجهد والتفكير والقلق ، غير مرغوب فيه ، مما يجعلنا نطرح السؤال حول ما يقرأه الناس هل يرقى إلى مستوى الرواية أو شيء آخر ؟ هل ما يقرأه الناس من روايات هي روايات فعلا ؟ أليس هذا ما يدعو للتريث قبل أن نطلق صرخة ما قبل موت الشعر ؟

Loading

شارك: