بقلم : ال عشاق يمر الان احد عشر شهرا على الشكاية التي رفعها عامل اقليم الخميسات عبد اللطيف النحلي ضد مدير الجريدة الالكترونية( كاميرا 11)  لانه قام بتناول موضوع ينبه فيه الى تفريغ شاحنة محملة بالقفف الرمضانية باحد المخازن على مقربة من شارع عبد الحميد الزموري في الساعة العاشرة ليلا باستعمال شاحنة بدون ترقيم تحمل شعار ( عمالة اقليم الخميسات)، المقال احدث ضجة كبيرة وتحركات قوية ساعتئد وبدل فتح تحقيقات في ملابسات القضية وتطبيق القانون  تم جر مدير الجريدة الى القضاء، ولم تعد القضية التي شغلت الرأي العام المحلي والاقليمي بإقليم الخميسات مجرد نزاع قضائي بين عامل الإقليم ومدير جريدة إلكترونية، انما أصبحت اختبارا حقيقيا لمدى احترام مبادئ الشفافية وحرية الصحافة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

فالمعطيات الدقيقة التي قدمتها الجريدة، تتعلق بشاحنة تمت معاينتها تفرغ حمولة من القفف  في حدود الساعة العاشرة ليلا ، خارج أوقات العمل الإداري، ولا تحمل لوحات ترقيم ظاهرة، وهو ما دفع الجريدة إلى مطالبة عامل الاقليم بفتح تحقيق رسمي لكشف حقيقة الواقعة، دون أن تدعي امتلاك الحقيقة النهائية.

التحقيقات اللاحقة أظهرت أن الشاحنة تعود إلى المجلس الإقليمي حسب المحضر المنجز من طرف الشرطة القضائية بناء على اقوال موظف بالعمالة دون تقديم مايفيد، غير أن طلب المدير  الحصول على وثائق أو معطيات رسمية تؤكد ذلك و كيفية استعمال المركبة ومهمتها  وان  كانت مكلفة بمهمة قوبل بالرفض، وهو ما زاد من علامات الاستفهام بدلا من تبديدها ثم لماذا ظلت الشاحنة تحمل شعار ( عمالة اقليم الخميسات) ولم يتم ارفاقه بعبارة( المجلس الاقليمي) لتبديد الشكوك  والتمييز كما يحصل مع سيارات الاسعاف بالجماعات الترابية والنقل المدرسي.

وفي سياق متصل، بعد  تعليمات النيابة العامة بوجوب تعميق البحث برزت رواية أخرى مفادها أن القفف الرمضانية كانت هبة من دولة أجنبية لجمعية لا يظهر لها اثر في الصورة العامة  وتم استدعاء رئيس الجمعية لتقديم هذا التفسير وهنا اصبح مقال مدير الجريدة صحيحا ولا غبار عليه لان تفريغ شاحنة الشعب  ليلا في مخزن مجهول خارج اوقات العمل يثير الشكوك بل يعتبر عملا مشبوها  لان توزيع القفف الرمضانية  ونقلها يتم عبر مراقبة صارمة للسلطات المحلية ويتم  التفريغ والتوزيع داخل مؤسسات عمومية وفي واضحة النهار .  ورغم تقديم هذه المعطيات اثناء التحقيق  تم التغاضي عنها ، كما ان دخول جمعية  على الخط وتقديم وثائق تدعي بان الحمولة تخصها يفتح أسئلة مشروعة حول المساطر القانونية التي تؤطر تسلم الهبات الأجنبية، والجهة المخول لها الإشراف على توزيعها، وكيفية نقلها واستعمال وسائل عمومية في ذلك، ومدى احترام قواعد الشفافية.

وفي المقابل، لم يكن انتظار الرأي العام موجها نحو متابعة الصحافي الذي نشر الخبر، بل نحو فتح تحقيق إداري وقانوني مستقل يجيب عن الأسئلة المطروحة. فالصحافة عندما تنشر معطيات ذات صلة بالشأن العام، وتطالب بالتحقيق، فإنها تمارس إحدى وظائفها الأساسية، ويبقى من حق القضاء أن يحدد ما إذا كانت قد التزمت بضوابط القانون والمهنة.

إن القضية، في جوهرها، لا ينبغي أن تختزل في شخص مدير الجريدة أو في المسؤول الذي رفع الدعوى، انما في مبدأ أكبر عمقا ، هل تكون الأولوية للتحقق عن كيفية استعمال الممتلكات والوسائل العمومية، أم لملاحقة من أثار التساؤلات بشأنها؟

ويبقى القضاء وحده صاحب الكلمة الفصل في النزاع، غير أن الرأي العام سيظل ينتظر الإجابة عن الأسئلة الجوهرية التي فجرت القضية منذ بدايتها، لأن ترسيخ الثقة في المؤسسات لا يتحقق إلا بالشفافية، وبتقديم الوقائع للرأي العام، وبتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وليس بالاكتفاء بتبادل الاتهامات.

ختاما:  إن احترام الصحافة وكفالة حق التعبير ليس مجرد شعار حقوقي اجوف وفارغ،  انما استثمار في أمن ومستقبل الأوطان. المجتمعات القوية هي تلك التي لا تخشى الكلمة، بل تحاورها، والدول المستقرة هي التي ترى في تنوع الآراء ثراء وفي النقد البناء بوصلة للتصحيح. إن حماية القلم هي حماية لعقل الأمة بأسرها.

Loading

شارك: