بقلم: ال عشاق- في دهاليز الإدارة المغربية والمكاتب الوزارية الفارهة، يعيش الوزراء في برج عاجي من البروتوكولات المبرنقة، بينما يغرق المواطن في صخب المعاش اليومي. وبين هذين العالمين غير المتوازيين، تنمو هوة سحيقة تجسدت في ظاهرة لافتة، جهل المواطن المغربي بأسماء وزرائه. هذا الجهل ليس مجرد ثقب في الذاكرة، انه إعلان عن طلاق سياسي صامت، ونتيجة حتمية لمسار طويل من تهميش الممارسة السياسية.
إن العجز عن استحضار اسم وزير في قطاع حيوي كالصحة أو التعليم… ليس نقصا في الأهلية السياسية للمواطن، انما هو انعكاس لحالة التنميط التقنوقراطي، إذ تحول الوزير في المخيال الشعبي من فاعل سياسي يحمل مشروعا مجتمعيا، إلى موظف إداري عابر، يبصم على قرارات لا تملك روحا، ولا تحمل بذور الإصلاح المنتظر.
عندما يغيب الأثر، يغيب الاسم. وحين يتحول الوزراء إلى أرقام إحصائية في التقارير الرسمية بدلا من أن يكونوا وجوها مألوفة في معارك المواطن اليومية، يصبح من الطبيعي أن يمحو وعي الشعب أسماءهم، إذ لا فرق في نظر المواطن بين وزير وآخر، ما دامت النتائج على أرض الواقع متطابقة في رداءتها.
يمثل هذا الجهل فضيحة سياسية للأحزاب التي تشكل العمود الفقري للحكومة، فهي نجحت بامتياز في تمييع المشهد وتحويله إلى ساحة للامتيازات الحزبية، حيث أصبح التناوب على الحقائب عملية هندسية لتوزيع الريع، لا لتنفيذ البرامج الانتخابية. ونتيجة لذلك، يمارس المغاربة تمردا رمزيا، رافضين منح الشرعية المعرفية لمن لم يمنحهم الشرعية الإنجازية. إن عدم حفظ اسم الوزير هو تصفية حسابات ناعمة، وإعلان صريح بأن هؤلاء لا يستحقون حتى مساحة صغيرة في الذاكرة الجماعية.
لقد خبت جذوة الصراع الفكري الذي كان يمنح الوزراء كاريزما تجعل المواطن يعرفهم ويختلف معهم. أما اليوم، فقد تبخرت هذه الكاريزما في ظل حكومات التدبير التقني، حيث لا يملك الوزير هامشا للمبادرة، ولا يسأل عن أسباب وجوده في قطاع لا يفقه فيه شيئا، لأنه أصبح مجرد واجهة إعلامية لتنفيذ توجيهات فوقية. هذا الأسلوب أفرغ العمل الحكومي من الدراما السياسية التي تثير اهتمام الرأي العام، وحول الحكومة إلى جهاز أوتوماتيكي لا يحتاج الناس لربط الوجوه بقراراته، لأنهم يعلمون مسبقاً أن القرار لا يأتي من الوزير.
إن تجاهل أسماء الوزراء هو أخطر أنواع الاحتجاج السياسي في المغرب، إنه تجاهل استراتيجي يمارسه الشعب ضد نخبة فقدت اتصالها بالقاعدة. إن الوزير الذي لا يعرفه المواطن هو وزير فاقد للتمثيلية، حتى وإن حاز على أغلبية برلمانية مريحة. وإذا استمر هذا الانفصام، فإننا أمام مرحلة سياسية ستصبح فيها المؤسسات مجرد هياكل فارغة، يتجول في أروقتها أشخاص بأسماء مستعارة، أمام شعب قرر أن يغلق دفاتر الحضور، وأن يتوقف عن متابعة مسرحية لا يكتب نصوصها ولا يقتنع بأدوار ممثليها. ولعل الأكثر خطورة هو أن النخبة الحاكمة لا تدرك أن تجاهل الشعب لها أخطر من احتجاجه عليها، لكنها تصر على إبقاء الشرخ لضمان استمرار الوضع الراهن.
إن الاصطدام بصمت محرج أو ابتسامة تهكمية عند سؤال عابر في الشارع عن اسم وزير في حكومة أخنوش، ليس فجوة معلوماتية، انه إدانة صامتة لأداء مسؤولين باتوا يعيشون في عالم مواز، لا يظهرون فيه للمواطن إلا كصور باهتة في إعلان رسمي. وعندما تغيب المعرفة بالاسم، تغيب بالضرورة القدرة على المحاسبة، إذ كيف للمواطن أن يحاسب “شبحا” لا يعرف هويته ولا يدرك صلاحياته…؟
إن فقدان المواطن لأسماء وزرائه اعتراف ضمني بأن الوزراء لا يمثلونه. لقد نجح الوزراء في خلق المسافة ليحتموا من ضغط الرأي العام ليفروا من استحقاقات النقد. إن جهل الناس بأسماء الوزراء ليس استهدافا لذاكرة المواطن، انه مرآة لواقع حكومي يفتقر للشخصية السياسية المؤثرة. وحين تصبح أسماء الوزراء لغزا، لا يكون التساؤل ، من يكون هذا الوزير…؟، انما لماذا يسمح النظام السياسي بوجود مسؤولين لا يعنيهم أن يعرفهم الناس…؟. غياب اسم الوزير دليل على غياب الفعل، وحين يغيب الفعل، لا يبقى للوزير في ذاكرة الشعوب سوى الفراغ.
![]()
