بقلم : لمياء الناصري– صناعة الوهم في إقليم الخميسات تتقنها بعض الهيئات النسائية أكثر من أي شيء آخر . تحت يافطات التمكين والمشاركة السياسية والنهوض بأوضاع المرأة تشكلت شبكة من الإطارات الجمعوية التي تحولت مع مرور السنوات إلى ما يشبه الديكور التنموي الذي يزين جدران المكاتب لكنه يعجز تماما عن اختراق جدار الواقع القاسي الذي تعيشه آلاف النساء في القرى والمداشر النائية.
إن المتأمل في المشهد الجمعوي النسوي بالإقليم لا يرى دينامية حقيقية انما يرى حلقة مفرغة من التكرار. نفس الوجوه التي تتصدر المشهد منذ سنوات ونفس البيانات المستنسخة التي تغلف بلغة إنشائية فضفاضة ونفس الأنشطة التي تبدأ في القاعات الفخمة وتنتهي عند التقاط صور تذكارية لتوثيق الإنجاز الرقمي على منصات التواصل الاجتماعي. لكن حينما نغادر القاعة وننزل إلى الميدان تصطدم الحقيقة بالسراب، فالنساء القرويات ما زلن يقاومن الأمية والفقر المدقع والعزلة الاجتماعية والهشاشة وكأن تلك الجمعيات تعمل في كوكب آخر غير الذي تعيش فيه هؤلاء النسوة.
لقد تحول العمل الجمعوي عند البعض من فعل نضالي وتنموي إلى وظيفة موسمية. يقتات هذا النوع من الإطارات على فتات الدعم العمومي واللقاءات الرسمية. أين المشاريع المدرة للدخل التي تنقل المرأة من وضعية المتلقي للمساعدات إلى الفاعل الاقتصادي…؟ أين مراكز الاستماع القانوني التي لا تنتهي خدماتها بمجرد انتهاء فترة التمويل اي مرفق النساء ضحايا العنف …؟ الحقيقة المرة أننا أمام ثقافة الاستهلاك، استهلاك الشعارات الرنانة واستهلاك المال العام واستهلاك آمال النساء في التغيير.
خيانة الأمانة التنموية الخطر الأكبر الذي يواجه اقليم الخميسات اليوم ليس في نقص الموارد انما في عقم الخيال وغياب المحاسبة وتغييب الذات. كيف يسمح لجمعيات أن تستمر لعقود دون أن تقدم تقريرا تقييميا واحدا يثبت أثرا ملموسا…؟ لماذا لا يزال المال العام يضخ في هياكل فارغة لا تملك رؤية ولا استراتيجية ولا حتى قاعدة بيانات حقيقية عن واقع النساء في الإقليم…؟
إن صمت السلطات المعنية وتواطؤ منطق المجاملات السياسية في توزيع الشراكات جعلا من العمل الجمعوي النسائي مجرد حقل للأريحيين والباحثين عن الوجاهة الاجتماعية. لقد أصبح الفعل الجمعوي في الاقليم المنكوب صورة أكثر منه مشروعا.
ان الاقليم لا تحتاج إلى مزيد من الجمعيات اللافتات التي تتسابق للحضور في اللقاءات الرسمية وملا الكراسي والتقاط الصور في اللقاءات الباهتة. إننا نحتاج إلى قطيعة معرفية وميدانية مع العمل الجمعوي الراكد. نحتاج إلى نخبة نسائية جريئة تملك جرأة نقد الذات وقدرة على بناء مشاريع واقعية وشجاعة الدفاع عن حقوق النساء بعيدا عن أضواء الكاميرات، وبعيدا عن الارتكاز على السلطة.
إن أي عمل جمعوي لا يغير حياة امرأة واحدة في دواوير الاقليم عمل زائف. وأي دعم عمومي يمنح لجمعية لا تخضع للمساءلة والمؤشرات الرقمية هدر للمال العام. لقد آن الأوان لرفع الغطاء عن العبث الجمعوي النسائي. النساء في اقليم الخميسات يستحقن أدوات نضالية حقيقية لا أطراف اصطناعية تتزين بها مكاتب المسؤولين في المناسبات. إذا لم تستطع الإطارات النسائية أن تكون صوتا لمن لا صوت له فلتتوقف عن أن تكون صوتا مزيفا يغطي على حقيقة مأساتهن.
![]()
