بقلم : ال عشاق –يعد ملف الصحافي علي المرابط واحدا من أكثر المحطات إثارة للجدل في تاريخ الصحافة المغربية المعاصرة، إذ تجاوزت أبعاده حدود الحالة الفردية لتتحول إلى مرآة عاكسة لتجاذبات أعمق بين السلطة ونخبها المثقفة والمشاكسة. إن الإفراج عن المرابط بعد عرضه على انظار النيابة العامة، في سياقاته المتعددة، يطرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان القرار الافراج يحمل في طياته تحولا استراتيجيا في مقاربة الدولة لملف الحريات العامة، أم أنه يظل ضمن منطق التدبير الظرفي الذي تفرضه إكراهات اللحظة.
يرى بعض المتتبعين ان طي الملف إشارة دالة على وجود رغبة في تخفيف الاحتقان وتفادي كلفة الصدام مع الفاعلين الحقوقيين والمنظمات الدولية التي جعلت من حالة المرابط أيقونة لنضالها، ما يفسر القرار باعتباره مراجعة ضمنية لسياسة التضييق التي قد تؤدي إلى نتائج عكسية تسيء للصورة الحقوقية للمملكة في المحافل الدولية . وفي المقابل لا يمكن قراءة الانفراج بمعزل عن الحسابات السياسية والداخلية التي تفرضها طبيعة التوازنات التي تتبعها الدولة، حيث يذهب تيار من المحللين إلى اعتبار أن السلطة في المغرب تمتلك قدرة فائقة على استيعاب الضغوط وإدارة الصراعات من خلال سياسة النفس الطويل، مما يجعل من الإفراج مجرد محطة تكتيكية تهدف إلى امتصاص الغضب وتبريد الجبهات دون أن يعني تلك الانعطافة المباغثة في سيرورة التفاعلات السياسية والحقوقية الداخلية بالضرورة وجود التزام هيكلي أو توجه نحو مراجعة جذرية للمقاربة الأمنية تجاه حرية التعبير.
فالأمر من وجهات نظر متعددة يتعلق لربما بسحابة عابرة أو بداية عهد جديد يتطلب استقراء لمسارات الدولة المغربية التي اتسمت تاريخيا بالقدرة على الجمع بين الانفتاح المحسوب والضبط الصارم. فحتى في فترات الانفراج الحثيث والمتذبذب ، ظلت دائما خطوط حمراء غير معلنة تحدد سقف الممارسة الصحافية وحرية التعبير ،ما يبعث على الاعتقاد بأن هامش الحرية يتقلص أو يتسع تبعا لحاجة الدولة إلى شرعية داخلية أو خارجية، أكثر من كونه نتاجا لإيمان راسخ بضرورة التغيير تمليه طبيعة المرحلة ورهانا الدولة على المحطات المقبلة في مسارات التنمية والاستثمار . إن الإفراج عن علي المرابط قد يكون دليلا على براغماتية السلطة في التعامل مع ملفات محرجة واكثر حساسية، لكنه يظل قاصرا عن رسم معالم استراتيجية واضحة تضمن تحصين حرية التعبير كحق أصيل يتجاوز منطق العفو أو التسامح السياسي.
وبالنظر إلى طبيعة المشهد العام، يظهر أن الفاعلين السياسيين والحقوقيين لا يزالون يراوحون مكانهم بين الأمل في حدوث انفراج ديمقراطي حقيقي وبين الواقع الذي يفرض قيودا متجددة بفعل الصراعات السياسية التي تشرع للتضيق على هامش الحرية لما يخدم اطماع الراسمالية المتوحشة. إن الوضع العام يؤكد أن العلاقة بين الدولة والصحافة في المغرب لا تزال محكومة بآليات التوجس المتبادل، اذ تظل المبادرات المتعلقة بالإفراج عن الصحافيين أو تخفيف العقوبات جزءا من إدارة سياسية أكثر منها تحولا مؤسساتيا. ويبقى الرهان الحقيقي على إرساء تقاليد ديمقراطية لا تتأثر بتقلبات الأحوال السياسية الداخلية والخارجية، ولا تزال توجه الدولة و مؤشراتها غير واضحة بالقدر الكافي لتشكيل راي ، مما يجعل من قضية المرابط فصلا في كتاب طويل من التجاذبات التي تفتقر إلى حسم نهائي لصالح حرية التعبير.
يتبين أن القراءات المتعددة لإطلاق سراح علي المرابط تظل رهينة بمدى قدرة الدولة على تحويل اللحظات إلى فرص لتعزيز الحريات الفردية والجماعية، أو الإبقاء عليها كأحداث معزولة لا تغير من طبيعة التوجه العام. وإلى أن تتبلور إشارات أقوى توحي برغبة حقيقية في مأسسة حرية التعبير وحمايتها من التأويلات السياسية، فإن الحذر يظل سيد الموقف ويظل السؤال حول مغزى الخطوات حاضرا بقوة في الأوساط النخبوية والمهنية التي تنظر بعين الريبة لكل ما هو مؤقت في مشهد سياسي مليء بالمتغيرات التي يصعب التنبؤ بمساراتها الدقيقة.
![]()
