بقلم : ال عشاق –تعتبر النيابة العامة جزءا لا يتجزأ من السلطة القضائية ومؤتمنة على حماية حقوق الأفراد والجماعات والسهر على تطبيق القانون ومن أهم الوظائف الموكولة إليها تلقي شكايات المواطنين وتظلماتهم والبت فيها إما بتحريك الدعوى العمومية أو بإحالتها على الجهات المختصة أو باتخاذ قرار حفظ الشكاية إذا تبين لها أن الوقائع لا تكتسي طابعا جرميا أو أن ظروف البحث لا تهتدي إلى الفاعل أو لوجود مانع قانوني يحول دون المتابعة.
غير أن الإشكال العملي والحقوقي يبرز عندما تتحول مسطرة الحفظ من إجراء قانوني تنظيمي إلى حاجز إداري أو عملي يمنع المرتفق من الولوج إلى مرفق العدالة أو عندما تمتنع المحكمة الابتداية أو غيرها من المحاكم عن التعامل القانوني مع المشتكي لمجرد صدور قرار الحفظ دون شرح وتبرير الأسباب الكامنة وراء القرار و التداعيات القانونية والحقوقية للامتناع عن تبليغ المشتكي وفق الضوابط القانونية المعمول بها.
ينص قانون المسطرة الجنائية المغربي على مجموعة من الضوابط التي تحكم مآل الشكايات المقدمة أمام النيابة العامة وعندما تقرر النيابة العامة حفظ الشكاية فإن المشرع لم يترك الأمر عشوائيا انما فرض التزامات إجرائية ترتبط أساسا بحق المشتكي في العلم بحقيقة مآل شكايته. ينص العرف الإداري والقضائي الجيد فضلا عن دوريات رئاسة النيابة العامة على ضرورة إخبار المشتكي بمآل شكايته داخل أجل معقول غالبا لا يتعدى (خمسة عشر يوما) من تاريخ اتخاذ القرار إما بواسطة رسالة نصية قصيرة أو بريد إلكتروني أو إشعار مكتوب يبلغ بالطرق القانونية.
لا يقتصر الإشعار بالحفظ على الجانب الإداري البحت انما يمثل ضمانة أساسية لممارسة حق التقاضي إذ يتيح للمشتكي معرفة أسباب الحفظ هل لعدم الاكتفاء بالدليل أو لعدم استيفاء الشروط القانونية أو لتقادم الفعل مما يمكنه من اللجوء إلى الآليات القانونية المتاحة كالشكاية المباشرة مع التنصيب كطرف مدني في بعض الحالات أو الطعن بالطرق المتاحة قانونا إذا تعلق الأمر بجهات معينة. إن امتناع بعض المصالح أو كتابة الضبط أو النيابات العامة عن التعامل القانوني مع المشتكي بعد صدور قرار الحفظ يرجع إلى عدة أسباب متداخلة يمكن توزيعها بين الاعتبارات الإدارية وضغوطات البنية البشرية وسوء فهم طبيعة قرار الحفظ.
يعتقد بعض الفاعلين الإداريين داخل المحاكم أن صدور قرار الحفظ يعني إسقاط صفة المشتكي نهائيا وإغلاق باب المكاتب في وجهه بشكل تام متجاهلين أن الحق في الحصول على معلومات حول الملفات الإدارية والقضائية حق دستوري مكفول بمقتضى الدستور وقانون الحق في الحصول على المعلومات.
تعاني النيابات العامة وكتابات الضبط بالمحاكم الكبرى وبعض المحاكم المتوسطة مثل المحكمة الابتدائية بالخميسات من ضغط هائل نتيجة الكم الهائل من الشكايات اليومية ضغط يولد في كثير من الأحيان تعاملا آليا يعتمد على إغلاق الملفات وتصنيفها دون العناية بمسألة الإشعار الفردي أو استقبال المشتكين الغاضبين من قرار الحفظ.
على الرغم من الورش الكبير للرقمنة الذي تبنته وزارة العدل ورئاسة النيابة العامة إلا أن تفعيل نظام الإشعارات النصية الآلية في كل المحاكم وبشكل دقيق ومستمر يواجه أحيانا عوائق تقنية أو تأخيرا في تحيين قواعد البيانات مما يؤدي إلى ضياع الإشعار أو تأخره عن الأجل المحدد ويفسح المجال أمام الاحتكاك بين المرتفق والمرفق القضائي.
قد تلجأ مصالح النيابة العامة أو المكاتب المعنية أحيانا إلى التحفظ في التعامل مع المشتكين بعد الحفظ تخوفا من الدخول في نقاشات عقيمة أو محاولات متكررة لإعادة طرح نفس النزاعات التي تم البت فيها خاصة إذا لم يدل المشتكي بعناصر إثبات جديدة تغير مجرى البحث . إن الامتناع عن إشعار المشتكي بالحفظ داخل الأجل القانوني أو رفض استقباله والتعامل معه قانونا يفرز آثارا سلبية متعددة ،إن عدم علم المشتكي بقرار الحفظ يحرمه من حقه في الدفاع عن مصالحه وسلك الطرق البديلة مما يكرس شعورا بانعدام العدالة والثقة في المؤسسات.
تصدر رئاسة النيابة العامة دوريات مستمرة تحث فيها وكلاء الملك على ضرورة العناية بشكايات المواطنين وتجويد خدمات الاستقبال وتسريع وتيرة الإشعار بمآل الشكايات معتبرة أن تجويد الخدمات الإدارية جزء لا يتجزأ من حماية حقوق المرتفقين كما ان الحق في المعلومة القضائية مدخل أساسي للولوج للعدالة وحرمان المشتكي من معرفة سبب حفظ شكايته يجعله في حالة عمى إداري يعيق حقه في التظلم المشروع.
ولمعالجة إشكالية الامتناع عن التعامل مع المشتكين في حالة حفظ الشكايات يتطلب الامر مقاربة شاملة تقوم على تفعيل الرقمنة الشاملة لضمان توصل المشتكين برسائل نصية تلقائية تحيلهم على مآل شكاياتهم وأسباب حفظها فور صدور القرار ، ولا باس من تكريس ثقافة الاستقبال عبر إحداث خلايا تواصل واستقبال مرنة داخل المحاكم لتوجيه المرتفقين وشرح مآلات ملفاتهم بطريقة قانونية وموضوعية تكرس مبدأ تقريب الإدارة من المواطن وتحقيق التوازن بين نجاعة الإدارة وحقوق المرتفقين والوعي بأن قرار الحفظ قرار إجرائي قابل للتغيير متى توفرت عناصر جديدة وليس حكما نهائيا يغلق أبواب الحوار بين المواطن ومؤسسات قضائه.
![]()
