بقلم : سمية العمراني –الحديث عن الترشح النسائي في إقليم الخميسات وقيمته واثره  يفتح الباب واسعا أمام نقاش عميق ومتشعب حول واقع الممارسة الحزبية وبنيات السلطة المحلية والاقليمية التي ظلت لعقود طويلة مجالا حكرا على النخب الذكورية. فالمرأة في الإقليم  المهمش لا تعيش بمعزل عن التحولات المجتمعية الوطنية، لكن خصوصيات المجال الترابي تفرض إكراهات هائلة تجعل التجربة النسائية محفوفة بالتحديات والتساؤلات المشروعة حول طبيعة الوجود السياسي ومداه الحقيقي.

على مستوى تعامل الأحزاب السياسية مع النساء في اقليم الخميسات، يبرز تباين صارخ بين الشعارات المعلنة في المحطات الانتخابية والواقع الميداني اليومي. فغالبا ما تتعامل الأجهزة الحزبية المحلية مع الترشح النسائي بمنطق الإكراه القانوني وحتمية احترام (الكوتا) أو اللوائح المخصصة للنساء لضمان الحضور الانتخابي والاستفادة من الدعم العمومي المخصص للتمثيلية النسائية.  انه تعامل نفعي ينعكس مباشرة على تكوين النساء ومواكبتهن وتاطيرهن سياسيا، إذ غالبا ما تفتقر المترشحات إلى التكوين السياسي الرصين والتأطير المستمر الذي يمنحهن القدرة على صناعة القرار الحزبي وتوجيهه. وغالبا ما يتم إقحام عدد منهن في الاستحقاقات الانتخابية كأرقام تكميلية لتأثيث المشهد العام وإضفاء شرعية الديمقراطية التمثيلية على قوائم يترأسها ويوجه تفاصيلها الرجال، مما يكرس دون قصد صورة الديكور السياسي الذي يزين فضاء تسيطر عليه الذهنية الأبوية والعلاقات الزبنائية.

ورغم الصورة القاتمة التي تفرضها الهياكل التقليدية الحزبية وصناع القرار التنظيمي، أثبتت تجارب نسائية عديدة في إقليم الخميسات أن الاقتحام النسائي للشان العام المحلي والاقليمي لم يكن مجرد عبور عابر ولا مشاركة محتشمة ولا خجولة  في صناعة القرار السياسي والتدبري . فالنساء اللواتي ولجن المجالس المنتخبة، سواء في البلديات أو الجماعات القروية التابعة للإقليم، حققن تراكمات مهمة على مستوى ملامسة القضايا الاجتماعية اليومية التي غالبا ما يتم تجاهلها أو تهميشها في النقاشات الذكورية التقليدية. وركزت المستشارات والمنتخبات على قطاعات حيوية مرتبطة بالتعليم، الصحة القروية والصحة الانجابية عبر المطالبة باقامة مرافق صحية لتوليد النساء في ظروف صحية وامنة، دعم التعاونيات النسائية، وتوفير البنى التحتية الأساسية للأسر  التي عاني الاقصاء والتهميش . وساهمن بفعالية اكيدة في إسماع أصوات الفئات المهمشة داخل المجالس، وضربن بجرأتهن وجبات الصمت التي رافقت تدبير الشان المحلي لسنوات طويلة.

إن الانخراط في تدبير الشان العام المحلي باليم الخميسات مكن النساء من كسر حاجز الرهبة السياسية بالنسبة لللقة القليلة ام السواد الاعظم فقد تلفعن بالصوت ، ورغم ذلك فقدج  مهدن الطريق فعليا للجيل القادم من الفتيات والنساء الطامحات للقيادة. فحضور امرأة في موقع تدبيري، حتى وإن واجهته عراقيل بنيوية، يغير بالضرورة النظرة المجتمعية النمطية ويغرس في الأجيال الناشئة قابلية رؤية المرأة كصانعة قرار وليس فقط ناخبة تستهلك الخطاب السياسي. فالرصيد النضالي اليومي يبني تدريجيا وعيا جماعيا جديدا يرفض دور الديكور ويطالب بموقع متقدم في صناعة السياسات الترابية.

من منظور نساء اقليم  الخميسات اللواتي خضن  غمار التجربة لو بالاسقاط بالمظلات، تختلف مفاهيم السياسة جذريا عما تختزله الممارسات الحزبية التقليدية. فبينما يرى الرجال السياسة غالبا كصراع على النفوذ، وتوازنات انتخابية، وشبكات مصالح ضيقة، تميل النساء إلى فهم السياسة باعتبارها امتدادا لخدمة المجتمع، وتدبيرا تضامنيا للشأن العام اليومي وفعل بناء جماعي يرتبط ارتباطا وثيقا بتحسين شروط العيش الكريم وتحقيق العدالة الاجتماعية المجالية. فهم واقعي وقريب من نبض الشارع ما يمنح العمل السياسي النسائي في الإقليم طابعه الإنساني والتنموي، رغم كل محاولات التدجين والإقصاء المنهجي.

إن نساء السياسة في اقليم الخميسات لازلن مجرد أرقام في استحقاقات انتخابية عابرة، ورغم ضيق الافق فان  بعضهن تحولن الى فاعلات أساسيات يخضن معركة مزدوجة، معركة ضد التهميش التنموي للإقليم، ومعركة أخرى داخلية لانتزاع الاعتراف بنديتهن السياسية في تنظيمات حزبية ومجتمعات محلية ما زالت تقاوم التغيير الحقيقي والباقيات وجدن انفسهن بالصدفة في  المعركة السياسية دون فهم مسبق لطبيعة التمثيل السكاني. فالطريق طويل وشاق، فإن ما حققته النساء حتى الآن يعد بذرة أساسية لترسيخ ديمقراطية محلية تضمن المساواة الفعلية وتفتح الأفق أمام مشهد سياسي أكثر شمولية وتوازنا شريطة الاعتماد على الطاقات والكفاءات المتمرسة التي تفهم في طبيعة التسيرر  وتدبير الشان العام  عن طريق المشاركة الوازنة والفاعلة في صناعات القرارات وليس بالخلود الى التفرج والتصويت الالي  على مشاريع لا تفهم طبيعتها واسباب النزول .

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.