بقلم : ليلى الرياني –يسجل المتتبع للشأن السياسي المغربي اتساع الهوة بين الخطاب المرفوع والممارسة الميدانية داخل بعض مكونات المشهد الحزبي وفي مقدمتها حزب التقدم والاشتراكية تحت قيادة نبيل بنعبد الله. فمسار الرجل على رأس التنظيم وتواجده الطويل على واجهتي القرار الحزبي والحكومي سابقا يعكسان إشكالية بنيوية تتعلق بالتطابق بين الشعارات المتبناة والنتائج المحققة على أرض الواقع.
لقد طبعت الخطاب السياسي للقيادة الحزبية الحالية لغة إنشائية تتخذ من مفاهيم النضال والإصلاح والتغيير عناوين دائمة، غير أن الشعارات اصطدمت بضعف الأثر العملي وغياب التجدد للافق السياسي. فالاستمرار على رأس الأمانة العامة لأعوام طويلة، وغياب آليات فعلية لتداول القيادة يطرح تساؤلات جادة حول مصداقية الخطاب الديمقراطي الداخلي وكيف لمن يعجز عن إرساء التناوب التنظيمي في بيته الحزبي أن يدعي ترسيخه في مؤسسات الدولة.
على الصعيد الحكومي، تقلد الحزب خلال محطات مختلفة مسؤوليات وزارية حساسة، من ضمنها قطاع الصحة و الاعلام و التعمير والإسكان، ورغم ذلك تظل الحصيلة محط نقاش واسع لكونها لم تقدم الإجابات الهيكلية الكفيلة بكبح جماح التفاوتات الاجتماعية والمجالية، أو تقديم بدائل تنموية تلامس تطلعات الفئات الشعبية. فالأداء التدبيري اقترن بعجز واضح عن بلورة جبهة ديمقراطية موحدة قادرة على صياغة تعبئة مجتمعية حقيقية، حيث غلبت أحيانا الحسابات الظرفية ومواقع التدبير على خيار الالتحام بالنبض الشعبي وقضاياه الملحة.
ويبرز المنعطف الأكثر حساسية في مسار القيادة الحزبية خلال محطات الاحتجاجات الاجتماعية، ولا سيما حراك الريف، حيث أثار الموقف الرسمي للحزب وما واكبه من بيانات وتفاعلات، انتقادات واسعة من طرف قطاعات مجتمعية وحقوقية اعتبرت أن الاصطفاف المؤسساتي كرس المقاربات الظرفية على تبني المطالب المشروعة للشباب في التنمية والعدالة المجالية مما عمق أزمة الثقة بين القواعد والقيادات.
إن المرحلة السياسية الراهنة التي تتسم بوعي متزايد للرأي العام وبحث مستمر عن الفعل الميداني والإنجاز الملموس تفرض على النخب الحزبية قراءة نقدية عميقة لمسارها، وتجاوز الأساليب التقليدية في استمالة الناخبين، نحو تجديد النخب وتقديم برامج قادرة على إعادة الاعتبار للعمل السياسي الجاد والمسؤول.
وفي الختام، يظل المشهد الذي طبع حضور نبيل بنعبد الله في جماعة مجمع الطلبة بإقليم الخميسات، على إيقاعات فن أحيدوس وإلقاء الكلام على عواهنه، التجسيد الحي لسياسة “الفولكلور السياسي” التي أدمنتها قيادات حزب التقدم والاشتراكية. إن الرقص على أنغام التراث المحلي واستهلاك الخطابات الحماسية الفارغة في القرى والمجالس الجماعية ليس سوى محاولة باهتة لتغطية العجز التنموي وفراغ الحصيلة، ومسرحية موسمية تتكرر في كل محطة انتخابية لاستغفال ساكنة عانت طويلا من التهميش والإقصاء. انتهى زمن بيع الوهم واستبلاد وعي المواطنين بالعنتريات الخطابية؛ فاقليم الخميسات وعموم مناطق المغرب العميق لم تعد تحتاج إلى زعماء “المناسبات” الذين يظهرون كضيوف شرف على إيقاعات الفلكلور، انما تطالب بتنمية حقيقية ومسؤولية فعلية تقطع نهائيا مع ريع الخطاب الكلاسيكي واستنزاف العمل السياسي في استعراضات فارغة لا قيمه لها في المشهد التنموي.
![]()
