بقلم : محمد الفقير –الحديث عن تجربة حزب العدالة والتنمية في الحكم لا ينبغي أن يقرأ فقط في حدود الربح والخسارة الانتخابية، انما يتطلب وضع التجربة برمتها تحت مجهر النقد السياسي المتقدم، لفهم طبيعة السلطة، والمشروعية، وحدود الفاعل الحزبي داخل المشهد المغربي المعاصر.
أهم درس أفرزته تجربة العدالة والتنمية كشف حدود الفاعل الحزبي المنتخب مقابل بنية الدولة الصلبة. لقد دخل الحزب السلطة بتصور ينتمي إلى أدبيات المعارضة التقليدية، ظانا أن صناديق الاقتراع توفر وحدها سلطة القرار التنموي والسياسي المطلق. غير أن الاصطدام ببيئة التدبير أظهر أن إدارة الشأن العام محكومة بحدود هيكلية ومؤسساتية دقيقة، ليتحول الحزب تدريجيا من مشاريع التغيير الهيكلي إلى تكتيكات التأقلم اليومي. وبدلا من أن يفرض رؤيته السياسية، قامت آليات التدبير الحكومي بإعادة تشكيله واستيعابه ليصبح مجرد منفذ لاختيارات كبرى لم يكن صانعها الأساسي.
استند الحزب طوال عقود إلى خطابه الأخلاقي والنضالي القائم على النزاهة والقرب من الجماهير، لكن خوض تجربة التسيير يفرض بطبعه تقديم تنازلات تسوية وتدبير أزمات مريرة. وجد الحزب نفسه في واجهة الدفاع عن قرارات اجتماعية مؤلمة، من تحرير أسعار الوقود إلى إصلاح التقاعد وتدبير ملفات قطاعية حساسة، سياسات أضرت بالحاضنة الشعبية والطبقة الوسطى التي شكلت نواة كتلته الناخبة. كما أن التوقيع على قرارات وسياسات تبدو إلى وقت قريب من خطوط الحزب الحمراء أحدث شرخا قيميا لدى القواعد، إذ أدى سقوط المرجعية الأخلاقية أمام واقعية السلطة إلى تجريده من أقوى أسلحته الاستقطابية.
على مستوى البنية الداخلية، روج للحزب باعتباره آلة تنظيمية حديدية غير قابلة للاختراق، لكن السلطة كشفت عن تناقضات جرى تغطيتها لسنوات بشعارات التضامن التنظيمي. برز الخلاف الحاد بين تيار يعتمد منطق المواجهة والشرعية الشعبية، وتيار يرى ضرورة المرونة والاستمرار داخل مربع السلطة بأقل التكاليف. انقسام لم يضعف قمة الهرم الحزبي فحسب انما أدى إلى ذبول الحماس القواعدي وإحباط الشباب المؤطر، مما شل الآلة الانتخابية التي كانت تحشد بكفاءة عالية في كل الاستحقاقات.
يوازيها من جانب آخر تحول عميق وسريع داخل المجتمع المغربي، حيث تراجعت جاذبية السجالات الأيديولوجية والهوية لصالح مطالب اجتماعية واقتصادية نفعية ومباشرة ترتبط بالتعليم، والصحة، وفرص الشغل، وجودة الحياة. رهن الحزب خطابه لفترة طويلة بالسجال السياسي والإيديولوجي دون أن يطور عرضا تنمويا بديلا يناسب التحولات. وعندما صوت الشارع لصالح بدائل أخرى، لم يكن ذلك بالضرورة اقتناعا تاما بالبديل الوافد، بقدر ما شكل عقابا صريحا لعرض سياسي انتهت صلاحيته ولم يعد يقدم إجابات للمستقبل.
القول بانتهاء الحزب نهائيا قراءة متسرعة تتجاهل طبيعة الدورة السياسية وآليات المد والجزر في المغرب، لكن الأكيد أن نموذجه القديم قد انتهى فعليا. إن إعادة البناء لإنتاج معارضة حقيقية وقوية تتطلب من الحزب الانتقال من مرحلة التباكي على نتائج الانتخابات إلى إجراء مراجعة نقدية شجاعة تتجلى في التخلي عن خطاب مظلومية السلطة، واستيعاب درس التجربة الحكومية، وإحداث قطيعة واضحة مع التبعية التنظيمية الدعوية، وتجديد النخب للابتعاد عن الشخصنة وصولا إلى بناء برنامج اقتصادي واجتماعي واقعي يبتعد عن الشعارات العامة ويقترح حلولا عملية.
ودون المراجعة العميقة للخطاب السياسي، يواجه العدالة والتنمية كابوس التكرار المأساوي لمصير حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي مر سابقا بنفس التجربة ونفس مسار الاستهلاك السياسي داخل التسيير الحكومي، حتى تجرد تدريجيا من مشروعيته التاريخية وأنهكته الصدامات والتنازلات المتتالية. لقد تحول الاتحاد الاشتراكي مع مرور الوقت من صوت هادر للقوات الشعبية وحامل لمشروع التغيير إلى هيكل تنظيمي عاجز عن لملمة شتات مناضليه أو تجديد نخبته، خاصة مع بروز ممارسات الشخصنة وحسابات التوريث الحزبي وضيق أفق التدبير الداخلي، اختلالات حاصرت بيته الداخلي وعمقت أزمته الهيكلية.
إن سنن السياسة المغربية لا ترحم من لا يستوعب الدروس، والعدالة والتنمية يقف تماما عند ذات المفترق، إما نقد ذاتي يقطع مع أخطاء التجربة ويجدد الدماء والأفكار، وإما الانزلاق نحو هامشية سياسية تتحول فيها القوة الانتخابية السابقة إلى مجرد صدى لزمن مضى.
![]()
