المتابع لخريطة التوازنات الانتخابية بانتظام في اقليم الخميسات يدرك يقينا ان اللعبة السياسية المحلية تخضع لمنطق القواعد الثابتة والمتغيرات الهامشية. ان الحديث عن النخب الانتخابية المهيمنة في الرقعة الجغرافية يتجاوز مجرد التنافس الحزبي التقليدي ليصل الى ما يمكن وصفه باستدامة النفوذ وتكليس النخب، حيث التحمت اسماء بعينها بالمشهد السياسي حتى اضحى وجودها في المؤسسة التشريعية معطى شبه ثابت ومحسوما بشكل مسبق.
ان القراءة العميقة للخريطة الانتخابية المقبلة بالاقليم تشير الى ان اربعة مقاعد من اصل المقاعد الستة المخصصة للدائرتين تبدو وكأنها محصنة بنفوذ شبكات المصلحة والامتداد العشائري والمحلي التي تراكمت عبر ولايات متتالية. ان اسماء بحجم محمد لحموش ومحمد شرورو وعبد الصمد عرشان وحسن الفيلالي تمثل العمود الفقري لهذه المعادلة الصلبة، حيث يمتلك هؤلاء الفاعلون خزان صلب من الاصوات واليات حشد متمرسة تجعل من عملية زحزحتهم من كراسيهم امر مستبعد في الظروف السياسية الراهنة، مما يحولهم الى رقاقات ثابتة في شطرنج الانتخابات الاقليمية.
في مقابل الثبات الهيكلي، يبرز صراع محتدم حول المقعدين المتبقيين، وهما المقعدان اللذان يمثلان متنفس المنافسة ومسرح الاستعراض الحزبي للعديد من الترشيحات التي يمكن تصنيفها في خانة ارانب السباق. ان الرهان على هذين المقعدين يأتي في ظل تراجع القواعد الانتخابية لبعض الوجوه التاريخية الاخرى مثل بوعمرو تغوان ورحو الهيلع، بالاضافة الى عبد السلام البويرماني، حيث تشير التحولات الراهنة الى ان حظوظ اعادة انتاج تفوقهم السابق ضئيلة جدا امام رغبة الهندسة الانتخابية في تجديد المشهد جزئيا.
ان السماح بالتداول على المنصبين المتبقيين بين مترشحين ينتمون لجهات حزبية مختلفة لا يعبر عن تحول ديمقراطي جذري بقدر ما يعكس حاجة النسق السياسي المحلي الى تسويق صورة الشفافية وتجديد النخب. فالعملية تعطي انطباعا بوجود منافسة مفتوحة وتكافؤ فرص، لكنها في العمق عملية ضبط دقيقة تضمن استمرار الاسماء التاريخية النافذة في موقع الصدارة، وتمنح في الوقت نفسه هامشا لتفريغ احتقان القواعد الحزبية الراغبة في الصعود، ما يجعل من الاستحقاق القادم مجرد اعادة ترتيب للمشهد دون المساس بجوهره الصلب.
و تزداد القراءة الميدانية عمقا عند الانتقال الى تفكيك التوازنات الخاصة بكل دائرة انتخابية على حدة داخل الاقليم. ففي دائرة الخميسات والماس، تشير المقومات السياسية واللوجستية الى احتمال إزاحة المترشح عبد السلام البويرماني عن حزب الاحرار ، ليفتح المجال امام منطق التداول الذي يعيد تشكيل المنصب المتنافس عليه. بالنظر الى السيرورة الانتخابية للدائرة، نجد ان المقعد بالذات تداول عليه بانتظام فاعلون يمثلون أطيافا مختلفة، بدءا بحزب التقدم والاشتراكية وصولا الى الحركة الديمقراطية الاجتماعية. وفي ظل الترتيبات الحالية وإعادة توزيع الأدوار، يبدو من المنطقي والراجح جدا ان يصنع مترشح حزب الاستقلال الفارق هذه المرة، ليستعيد الحزب حضوره بالمنطقة ويملأ الفراغ التنظيمي والانتخابي الذي خلفه تراجع باقي الفرقاء.
اما على مستوى دائرة تيفلت الرماني، فإن فرضية إحداث الرجة الانتخابية تظل واردة وبقوة، لاسيما عبر الرهان على دفع حزب الأصالة والمعاصرة بمترشحة رئيسة المجلس الاقليمي المستقيلة من حزب الاحرار بوشرى الوردي، رغم عدم شيوع اسمها سابقا في بورصة الاعيان المألوفين بالمنطقة. إن الدفع بوجه غير معروف قد يشكل آلية لكسر نمطية الاقتراع المستقرة واختراق قواعد الحشد التقليدية، مستفيدا من الرغبة الضمنية لدى القواعد الناخبة في تجريب خيارات جديدة. ويظل الخيار محفوفا بالمخاطر السياسية أمام القلاع الانتخابية المتجذرة في الدائرة، مما يترك جميع الاحتمالات القادمة مفتوحة على مصراعيها، ويجعل من الاستحقاق محطة تفاعلية بين صمود قواعد الضبط التقليدي ورغبة التجديد في المشهد المحلي.
![]()
