بقلم : ال عشاق –ثمة حزن صامت ينهك الروح حين نرى أعز الكلمات وأشرفها تجرد من حياءها، وتتحول من أوسمة تشترى بالدم والتضحيات إلى مساحيق تجميل يرتديها كل من هب ودب في ساحات الوطن المكتظة بالتناقضات. كلمة (مناضل)… لم تكن يوما مجرد صفة لغوية تقال في المحافل أو تكتب على البطاقات التعريفية. تعني السهر في عتمة زنزانة، يعني صوتا يرتجف خوفا لكنه يرفض أن يصمت، يعني عائلة تنتظر عند باب السجن ومحاضر تطبخ ومحاكمات صورية، وشهداء دفنوا أحلامهم في تراب الوطن كي تحيا أجيال لم يعرفوها. كان النضال ضريبة يدفع ثمنها حريات ودماء، اليوم أصبح بضاعة رخيصة تعرض في مزاد التزلف والانتهازية.

في سنوات غير بعيدة، كان الانتماء لصفوف الأحزاب الوطنية والديمقراطية واليسارية بالخصوص تهمة جسيمة، وكانت كلمة (مناضل) تقرأ في أروقة السلطة الشمولية كمرادف لخائن ومتآمر على استقرار الوطن. المناضل الشريف في سنوات الجمر والرصاص  يدرك تماما أنه بخطوته الأولى في الطريق يوقع بقدميه على وثيقة حرمانه من الطمأنينة، فحريته معلقة على قشة، ورزق عائلته مهدد بالقطع، وسمعته مطعونة في آلات الإعلام التي توزع تهم الخيانة بلا حياء. ومع ذلك يستمر. ليس حبا في بطولة فارغة لأن الوطن في نظر أولئك الشرفاء كان عقيدة لا تساوم، وقضية تستحق أن يفدى لأجلها الغالي والنفيس.

اليوم انقلبت الآية ودخلنا زمن التمييع الشامل. لم تعد الكلمة مخيفة أو مكلفة، أصبحت مستباحة ومبتذلة. ارتدى ثوب النضال كل من أتقن لعبة التسلق السياسوي والتزلف، فالمرتشي الذي يسرق القوت صار يتحدث بلغة الثوار، والمرتزق الذي يبيع موقفه لمن يدفع أكثر يلقي خطابات عن الكرامة والسيادة، والمبتز وحثالة القاع الذين يتغذون على آلام الناس يقدمون أنفسهم اليوم كحراس لقضايا الأمة. لقد جردت الكلمة من قدسيتها ومرغت في وحل الانتهازية، حتى أصبحت تثير في نفوس الشرفاء غصة، ورغبة في النأي بالنفس عن ساحة اختلطت فيها دماء الشرفاء القدامى بدموع التماسيح الجدد.

إن الفاجعة الحقيقية ليست في أن  الخونة وتجار الذمم  ارتدوا ثوب النضال، فالناس بدأت تفقد إيمانها بالفكرة ذاتها. حين يرى المواطن البسيط أن من كان يرفع شعار النضال بالأمس يتزاحم اليوم على موائد الفساد ويبيع المبادئ في سوق النفوذ، يتسرب الشك الصامت إلى قلبه ويتساءل إن كان كل شيء مجرد مسرحية. لكن الحقيقة التي يجب أن نهمس بها في أذن كل قلب يحترق حزنا على المشهد البائس والهجين أن الذهب لا يفقد قيمته لأن النحاس ادعى أنه يلمع مثله. سيظل النضال الحقيقي حيا، لا في مكبرات الصوت ولا في المقاعد الأمامية ولا في استعراضات وسائل التواصل، في طبيب يرفض الرشوة ويخدم الفقراء بضمير حي، ومعلم يبني عقول أجيال رغم ضيق العيش وقسوة الظرف، ومواطن بسيط يرفض أن يبيع صوته أو يصفق للباطل مهما كان الثمن.

قد ينجحون في تمييع المشهد، وقد يلبسون ألقابا لا يستحقونها، لكن التاريخ ذاك القاضي الصارم لا يحفظ الأسماء بالألقاب التي ادعاها أصحابها، بالأثر الحقيقي الذي تركوه في أجساد أوطانهم، إما بلسم شفاء وإما خنجر غدر. فليس كل من ألبسوه تزلفا وتملقا صفة مناضل يعني أنه أصبح حقا مناضلا يقف في الصفوف الأمامية للدفاع عن حرية التعبير وحقوق الأفراد والجماعات، فالألقاب المزيفة تتهاوى أمام أول اختبار للحقيقة، والنضال يظل موقفا وفصلا من الشرف لا يكتبه إلا الأحرار.

إن التاريخ يعلمنا أن أشد أنواع الخداع ذاك الذي يتسربل برداء القضايا النبيلة. إن صخب الشعارات والعنتريات وادعاء الذود عن الحقوق ليس بالضرورة دليلا على نقاء السريرة، في كثير من الأحيان  يعتبر ستار متقن لحجب النوايا الخبيثة والمآرب الذاتية. لذا يغدو الحذر واجبا، والارتياب الشريف ضرورة، فالمسافة بين دعوى النضال واستثمار المأساة قد لا تتعدى خيطا واهيا من الادعاء.

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.