تعكس الصدامات الجارية بين بعض الكيانات المدنية المحسوبة على المهاجرين في إقليم الخميسات أزمة عميقة تتجاوز مجرد خلافات تنظيمية طارئة يمكن اصلاحها بالحوارات الجادة والمسؤولة ، إنها تجل صارخ للفجوة الهيكلية بين تطلعات الجالية المغربية وأداء نسيج جمعوي ما زال أسيرا لآليات عمل تجاوزها الزمن، أساليب ترتكز على الرمزية وتقتات على المكاسب الضيقة وتبدد الطاقات في صناعة واجهات صورية على حساب القضايا التنموية الجوهرية.
يعيش المهاجر المغربي في دول الاستقبال ضمن بيئة مؤسساتية حازمة تقوم على الشفافية والديمقراطية التشاركية ونجاعة التنفيذ. إن انضباط المهاجر وتعامله مع دولة القانون والمؤسسات جعله أكثر حساسية تجاه أي ممارسات قائمة على شخصنة الفضاء العام، أو التزلف للدوائر الإدارية، أو إطلاق الخطابات الاستعراضية التي تفتقر للأثر الملموس. فإن عزوف غالبية مغاربة العالم عن الانخراط في التجاذبات ليس مجرد سلبية، انه موقف واعي ورفض صريح لإهدار الزمن التنموي في معارك هامشية لا ترتقي لمستوى وعيهم ولا تخدم مناطقهم الأصلية.
لم تعد علاقة المهاجر بوطنه تنحصر في البعد العاطفي الوجداني، انما تطورت إلى رؤية أكثر جرأة وعملاتية. المهاجر اليوم يرى في مسقط رأسه مجالا حيويا لفرص متبادلة وتأثير تنموي مباشر ويبحث بوضوح عن آليات تسيير حديثة، وشباك موحد للمستثمرين، وتحفيزات واقعية وبيئة أعمال تتسم بالشفافية بعيدا عن البيروقراطية. هذه الإرادة الصلبة تصطدم فور عودته بوسط مدني محلي تكبله حسابات النفوذ والتقرب من السلطة، مما يدفع الكفاءات إلى الانكفاء والتفرج رغبة في صون كرامتها واستثماراتها.
تكمن معضلة التعاطي المحلي مع ملف الجالية في استمرار الرؤية الكلاسيكية القاصرة التي تختزل المهاجرين في كونهم مجرد شريان مالي مؤقت أو مصدر للدعم الصوري، في حين يتم تجاهل رأسمالهم اللامادي المتمثل في الخبرات التسييرية، والدراية بالتأطير القانوني، والشبكات الدولية القادرة على فتح آفاق جلب الاستثمارات ودعم التنمية المحلية. إن النهوض بالواقع التنموي يتطلب الانتقال الحاسم من ثقافة الاستعراض والتقارير الصورية إلى منصات عمل نفعية ومشاريع شفافة تدار بمعايير قياس الأثر والنجاعة.
إن علاج الواقع المهلهل لم يعد يحتمل الترقيع أو إعطاء أنصاف الحلول، بقتضي شجاعة مدنية ومؤسساتية تتمثل في الذهاب رأسا نحو حل تلك الجمعيات التي استنزفت شرعيتها في الصراعات الشخصية والمنافع الضيقة وتصفية تركتها التنظيمية. وفي المقابل، تبرز الحاجة إلى تأسيس إطار تنظيمي حديث يتجاوز المنطق الجغرافي الضيق، ويفسح المجال للكفاءات والمؤهلات الحقيقية من أبناء الجالية. إطار يتحدث لغة العصر ويعتمد التخطيط الاستراتيجي والديمقراطية التشاركية، ليكون محاورا جادا أمام المؤسسات الرسمية ورافعة فعلية لنقل الخبرات وجلب الاستثمارات والنهوض بالإقليم لردم الفجوة بين عقلية تتصارع على المواقع وعقلية تبحث عن الفعل والتغيير والكرامة التنموية.
![]()
