بقلم: بنعيسى يوسفي-

لطالما كان التغيير في المجتمعات العربية مطلبا ملحا ، ولطالما كان الطموح كبيرا والأمل عريضا باللحاق بمصاف الدول المتقدمة ، وأمست هذه المجتمعات تمنِّي النفس يوم بعد يوم بغد أفضل ، لكن لحدود الساعة لم تستطع الوصول إلى هذا المبتغى ، رغم العديد من المحاولات التي قامت بها ، ورغم التحولات التي عرفتها ، على مرِّ سنوات عديدة لكن الهدف المنشود ظل بعيدا، وأضحى الأمر معه كمن يطارد السراب ، الهدف الذي لا يمكن اختزاله فيما هو سياسي وحسب كما قد ينصرف إلى أذهان الكثير من الناس ، وإن كان هو الأساس ، وهو القاطرة التي تجر ما تبقى من مجالات ، بل الهدف الذي يشمل ويستهدف منظومة الحياة بأكملها ، منظومة العيش برمتها التي لها ارتباط وثيق بكل ما هو اقتصادي واجتماعي وثقافي وتعليمي وما إلى ذلك ، فلا يمكن فصل هذا الجزء عن ذاك ، أو هذا المجال عن الآخر ، التقدم الذي لا يطال هذه المنظومة كاملة لا يمكن اعتباره تقدما ، ولو كان إحدى هذه المجالات متقدما ومتطورا . وكما لا يخفى فالمجتمعات العربية سواء قبل الاستعمار أو بعده ، ومعها النخبة المثقفة وحتى النخبة السياسية إلى حد ما وهي تجتهد للقيام بالكثير من الإصلاحات واجتراح العديد من المداخل ورصد مجموعة من الوصفات التي من شأنها إيجاد سبل وآليات قادرة على انتشال هذه المجتمعات من شرنقة التخلف ، ووضعها على سكة التقدم والتطور ، لكن غالبا ما تصطدم بعراقيل جمة وبالتالي يكون مصيرها الفشل ، وفي ظل هذا الوضع تعددت الاقتراحات والمقاربات في إيجاد أجوبة لهذه الإشكالية المستحكمة ، إشكالية التخلف ، لكنها كما سنرى لاحقا أنها لم تف بالغرض ، ولم تجب على الإشكال بالشكل المطلوب والمقنع، بل ربما زادت من تعقيده وتعويصه ، ليس لأنها غير صالحة أو غير مناسبة لذلك ، بل لأن ليس هناك إجماع أو اتفاق على إحداها ، التي من الممكن أن تقوم بدور المنقذ ، وترك البقية جانبا ، أو أخذ منها ما يمكن أن ينسجم ويكمل تلك المتفق عليها على الأقل ، فهناك من يعتقد أن المدخل الأساسي للتقدم هو الاقتداء بالغرب ، حذو الحافر بالحافر ، والسير على خطاه ، و التأسيس لدول مدنية علمانية باعتماد الحداثة كرافعة أساسية للتقدم والانخراط فيها على جميع المستويات ، وما يقتضيه ذلك من تغييرات جوهرية في بنية الدول وهياكلها ، وثقافتها وأنماط عيشها ، وذلك بترسيخ فكرها وأدواتها في عمق هذه الدول ، وتحديث كل مرافقها ومؤسستها بما ينسجم ويتناغم مع جوهر الحداثة ومقوماتها ، الشيء الذي يعني حتما الانتقال إلى نظام علماني يفصل السياسة عن الدين كما هو الحال في المجتمعات الغربية ، والاستناد التام إلى القوانين الوضعية التي ينتجها الإنسان بمفرده أو انطلاقا من مؤسسات الدولة المنتخبة ، وترك كل ما له علاقة بالدين جانبا ، وهنالك من جهة أخرى من يرى أن الحل ليس في الحداثة ولا في العلمانية ولا في غيرهما ، فالحل يكمن في التأسيس لدولة دينية تستمد نسغها ومقوماتها و مبادئها من الدين الإسلامي أي من القرآن والسنة ، سواء في إطار دولة الخلافة ، إن كان الأمر ممكنا على منوال الخلافة الراشدة بالخصوص، وإذا لم يكن ، ففي إطار نظام سياسي آخر يتم الاتفاق عليه شريطة الالتزام التام بالشرائع الدينية ، وتطبيقها في كل مناحي الحياة ، كل هذا من منطلق أن في الدين الإسلامي من المقومات والدعامات الأساسية ما يجعله قادرا على تأسيس مجتمعات متماسكة ومتقدمة ، ضاربين المثل بما كانت عليه الأحوال في هذه الأمة في الماضي البعيد ، حينما كانت الخلافة الإسلامية القائمة على الأسس الدينية ، هي السائدة وهي الممسكة بزمام الأمور ، ولم تكن في ذلك الإبان لا العلمانية ولا الحداثة قد عرفت طريقهما إلى الوجود ، ولم يكن أحد يتحدث عنهما قط ، بحيث لم يظهرا كمفهومين مستقلين الا بعد ذلك بعقود كثيرة ، فبناء الحضارة والتقدم من منظار هذا الفريق هو العودة إلى الأسس الأولى والمنابع الأولى التي بنيت عليها هذه الحضارة من قبل . ثم هناك رأي ثالث يمسك العصا من الوسط ، ويدعو إلى التأسيس لدول مدنية حقيقية تزاوج بين مبادئ الدين الإسلامي ومبادئ الحداثة ، بالرغم أن هذا الرأي يبدو وجيها ويمكن مناقشته لعله يكون هو المخرج الحقيقي للأزمة ،نظرا الطبيعة وخصوصية المجتمعات العربية التي يحتل فيها الدين الإسلامي مكانة مركزية ، وله امتدادات عميقة في كل مسلكيات حياة الإنسان العربي ، وبالتالي من الصعوبة بمكان إقصاء هذا الدين وتحييده جانبا ، لأن ذلك بالنسبة لهذا الإنسان هو نوع من التجريد من إحدى مكوناته الهوياتية ، ومن المستحيل التفريط فيه ، فالإنسان العربي بثقافته وطبيعته يمكن أن يناقش معك كل شيء إلا الدين ، فهو يدخل في اعتقاده في خانة المقدسات التي يجب تحاشي الحديث عنها ، أو الاقتراب منها ، إلى أن العديد من المفكرين والمثقفين يرفضون هذا التزاوج أو هذا المزج ، لكون احتمالات تعارضهما في التطبيق أكثر من توافقهما ، بل منهم من يذهب بعيدا ويقول أن من أهم أسباب تخلف الشعوب العربية هو هذا المزج التعسفي بين القيم العلمانية والحداثية والقيم الدينية ، أو القول في بعض الأحيان أنه ليس هناك تعارض جوهري بين بعض القيم الدينية والعلمانية أو أن العلمانية قادرة على التعايش مع الدين أو العكس أو أي شيء من هذا القبيل، فهذا في نظرهم ليس صحيحا ، فالدين رباني مطلق والعلمانية فكر بشري عقلاني نسبي، ثم أن العلمانية في أبرز أسسها تسعى إلى عزل الدين عن السياسة تماما ، وعن تسيير شؤون المجتمعات فكيف إذن يمكن أن تستقيم الأمور بين خطابين أو شرائع أو قيم مستمدة من القرآن والسنة وجزء منها وحي من الله ، مع خطاب بشري وشرائع وقيم ومبادئ من إنتاج البشر ؟ فلا شك أن المعادلة غير متكافئة ، ومن دون شك الغلبة دائما ستكون دائما للاتجاه الأول ، والكفة ستكون راجحة لصالحه وبالتالي لا مناص في نظرهم في الحسم النهائي في هذا الأمر ، إما الانخراط التام في الحداثة والعلمانية ، والاحتكام التام إلى فلسفتهما وفكرهما ، أو الانخراط في نموذج الدولة الدينية على أمل استرجاع أمجاد الماضي الغابرة. وإذا لم يكن الأمر كذلك وبتلك الصورة المثالية التي يُطْمَح إليها ، فعلى الأقل العمل على استلهام واستكناه بواعث النهضة منه بقراءة نقدية للتراث الإسلامي واستثمار نقط قوته والمضيئة والمتوافقة مع متطبات العصر ، في بناء دولة حديثة ديموقراطية ومتقدمة ، ولقد كُتب الكثير في هذا الخصوص. هذه الأطروحات الثلاثة هي السائدة ، وهي التي يحتدم النقاش حولها في الأوساط الاجتماعية والثقافية ، وتلفي المجتمعات العربية منشطرة حولها ومنقسمة ، فليس هناك أي إجماع على أي واحدة منها ، فلا أنصار الحداثة والعلمانية أقنعوا هذه المجتمعات والأنظمة الحاكمة فيها أنها هي الحل لكل مشاكلها ، ولا أنصار النموذج الديني أفحموها الحجة على أنها هي الخلاص ، وهي الجسر المؤدي إلى الرقي والرخاء والازدهار ، ولا أنصار المزج استطاعوا أن يثبتوا أن ذلك هو السبيل الآمن للانتقال من مجتمعات متخلفة إلى مجتمعات متقدمة ومتحضرة ، فكم من الزمن تم تضييعه وإهداره في انتظار البث النهائي في أي السبل أفضل ، وأي نموذج أنسب للانتهاء من هذا الجدال الذي دام لما يربو عن قرن من الزمن ، ولا زال مستمرا إلى يومنا هذا . هذه هي الصورة الحقيقية التي عليها جل المجتمعات العربية اليوم ، فلا هي مجتمعات تقليدية محافظة بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، ولا هي مجتمعات حداثية وديموقراطية بكل ما تحمله الكلمة من معنى أيضا ، مجتمعات يصعب تصنيفها ويصعب تحديد هويتها السياسية والثقافية بشكل دقيق . ليبقى السؤال العريض الذي يطرح نفسه بإلحاح في سياق هذا الوضع ، وهو كيف استطاعت هذه المجتمعات أن تُدبر شؤونها وأن تحافظ على توازنها ووحدتها وديمومتها رغم أنها لم تسلك أي منهج أو لم تتبنَّ أي نموذج سياسي من تلك التي ذكرناها آنفا طوال هذه المدة التي حصلت فيها على استقلالها وأصبحت هي الماسكة بزمام أمورها إلى اليوم ؟

لا مراء أن الإجابة عن هذا السؤال يحيل على قراءات متعددة ومتمايزة ، ولكل واحد حيالها رأيه ووجهة نظره ، لكن يبقى أهمها حسب الكثير من الباحثين والدارسين أن هذا الاختلاف في الرؤى حول نموذج الدولة المرغوب تأسيسه في المجتمعات العربية ، وعدم صياغة نموذج واحد متفق عليه ، وهذا بطبيعة الحال راجع إلى الكثير من الأسباب والعوامل ، زاد من قوة الأنظمة الحاكمة التي لم تتجاوب أولم تستجب مع أي مقترح من تلك المقترحات التي تخص نموذج الدولة أو النظام الذي يحكمها ، ربما لأن طبيعة هذه الأنظمة يصعب معها قبولها كما هي ، أو لأن ما يتم اقتراحه وطلبه متقدم عن المرحلة ، أو لأن هذه الأنظمة نفسها لها مقترحها الذي ليس بالضرورة أن يكون متماهيا مع التي سبق ذكرها أو إحداها ، وربما هذا هو الأقرب إلى الصواب ، فما يمكن ملاحظته اليوم ، هو أن هذه الأنظمة الحاكمة في المجتمعات العربية ، تسير في اتجاه صياغة نموذج سياسي من إنتاجها يحافظ على اللب والجوهر المتمثل في الدين الإسلامي ، باعتباره ركيزة ودعامة أساسية في المجتمع ، ولا يمكن الاستغناء عن أدواره وخدماته الجليلة ، ثم الانفتاح على قيم الحداثة والعلمانية في تسيير شؤون المجتمع وخاصة فيما يتعلق بالتدبير السياسي ، وهذا الأمر يسود عند الملكيات التي ورثت الحكم ، كما التي استتبت الأمور لصالحها بطريقة من الطرق والتي يعتبر الانقلاب إحداها في إطار جمهوري ، ولذلك فهذه الأنظمة ترى مسألة استمرار الدولة من مسؤوليتها بأي شكل من الأشكال ، إلى درجة أنها أصبحت مع مرور الزمن لا تعير أي اهتمام لهذا النقاش أو الجدال حول نموذج الدولة ، الأهم عندها أن تسير الأمور إلى الأمام ، وأن تدور عجلة التاريخ ، مستعينة في ذلك في بعض الأحيان بنخب سياسية ومثقفة ودينية تضفي طابعا من الشرعية على كل ما تنتهجه من سياسات ، وما تتخذه من قرارات ، وهنا يمكن القول أن المجتمعات العربية وجدت نفسها في أحيان كثيرة منساقة إلى أنظمة لها ثوابت ودعائم ، وما عليها الا الرضوخ والاستجابة ، خاصة حينما استطاعت بعض من هذه الأنظمة التعامل بذكاء مع كل هذه الرؤى المختلفة ، واستمالة العديد ممن يقفون وراءها ، أو إشراك بعضهم في الحكم ، إلى درجة أن هناك من تخلى نهائيا عن طموحاته السياسية التي كان يناضل من أجلها فيما قبل ، حينما ذاق حلاوة السلطة والتأثير في المجتمع ، وهنا في الحقيقة رغم العديد من التقاطعات والقواسم المشتركة بين جل المجتمعات العربية ، الا أنه لابد أن نفصل بين طبيعة وتجربة كل مجتمع من المجتمعات العربية في هذا الاتجاه ، بحكم الاختلافات الجوهرية الثقافية والقبلية والدينية بينها ، كما لا يمكن وضع الأنظمة الحاكمة فيها في سلة واحدة ، فنحن نتحدث عن ملكيات ، وبينها اختلافات كثيرة ، فالملكية في المغرب ليس هي نفسها في الأردن أو السعودية أو الإمارات أو الكويت وما إلى ذلك ، فما بالك إذا تحدثنا عن ملكيات وجمهوريات ، فالاختلافات من طبيعة الحال ستكون عظيمة وعميقة، ولهذا وجب القول أن في بعض المجتمعات العربية ، رغم أن نموذج الدولة الذي تنتهجه ليس واضحا كما ينبغي ، الا أنها تجدها متقدمة نسبيا عن دولة مثلها ، أو تجاورها ، واستطاعت أن تراكم مجموعة من المكتسبات ومجموعة من التجارب تقرِّبها من النموذج الديموقراطي الذي يستمد نسغه وجوهره من الفكر الحداثي العلماني ولو في حدوده الدنيا ، أو بالمقدار الذي يتلاءم والخصوصية أو البيئة المحلية كم هو الحال مثلا في المغرب ، حيث منسوب الحرية يبدو مرتفعا نوعا ما ، رغم بعض المضايقات التي تحدث بين الفينة والأخرى ، وحالات من النكوص أو الارتكاس التي قد تفرضها سياقات وظروف معينة ، وممارسة الحقوق مكفولة ، وهناك تعددية سياسية و أحزاب وتنظيمات نقابية وانتخابات ومؤسسات منتخبة وحكومات ووزراء، وتداول سلمي على السلطة ، في إطار ملكية منفتحة تتقاسم الاختصاصات مع السلطة التنفيذية في إطار دستوري واضح المعالم ، والمرفق العمومي يسير خطوات حثيثة نحو التحديث والتطور، وعجلة الاقتصاد في تطور . صحيح أنه لا زال هنالك مشاكل كثيرة وعراقيل تقف حائلا أمام استكمال المشروع الديموقراطي ، وبناء دولة اقتصادية قوية رغم العديد من المشاريع التي تم إطلاقها، لكن على أية حال هناك دينامية مجتمعية سياسية من دون شك ستفضي بالمجتمع في النهاية إلى الوصول إلى المبتغى ، أي بناء مجتمع ديموقراطي حقيقي ، وما وصل إليه المغرب الذي أخذناه كنموذج للتطور ، وربما بنفس المقدار لدى بعض المجتمعات العربية الأخرى لم يكن نتيجة ضربة حظ ، أو الطريق إليه كانت مفروشة بالورود ، بل كل ما نراه الآن وما يتم استنشاقه من عبير الحرية ومن التعبير عن الرأي وباقي قيم حقوق الإنسان ، جاء نتيجة نضالات ومخاضات عسيرة ، وحالات شد وجذب ، قادتها العديد من القوى الحية في هذه البلاد ، مثقفين وسياسيين ومجتمع مدني وحركة وطنية على السواء ، ونستطيع أن نقول أن المغرب مرَّ من محطات حاسمة في تاريخه السياسي بالخصوص منذ الاستقلال إلى اليوم هي التي شقت الطريق أمام العديد من التغيرات الحقيقية التي نقطف ثمارها اليوم ، حيث تم إرساء تعددية سياسية حقيقية رغم كبوات البداية كما يقال ، باعتبارها الأس الحقيقي للممارسة الديموقراطية ، فمنذ الاستقلال بدأت الألة الانتخابية في المغرب في الاشتغال إيذانا بدخول المغرب عهد الديموقراطية ، لكن للأسف ، على امتداد سنوات طويلة ، وقعت أحداث كثيرة لا نقول أجهضت هذا المشروع الديموقراطي الفتي في مهده ، ولكن عطلت عجلته ردحا من الزمن ، وهي ما سُميت بسنوات الرصاص ، وبعد ذلك ونتيجة مبادرات عديدة من النظام السياسي والقوى السياسية في البلاد ، تم تحريك عجلاته من جديد وهي تواجه أمواج ومنعرجات كثيرة إلى أن رست في مرفأ ما سمي بالتناوب التوافقي ، وبعدها تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة ، كل هذه المحطات وغيرها ساهمت في بناء ثقة جديدة بين المجتمع والسلطة الحاكمة ، تبلورت أكثر وعرفت زخما كبيرا أثناء أحداث الربيع العربي ، حيث استطاع المغرب مجتمعا وملكا النجاح في هذا الامتحان الصعب ، الذي تمخضت عنه في واقع الأمر تغييرات كثيرة في المشهد السياسي والممارسة السياسية ، هذا في الوقت الذي أدت فيه بعض المجتمعات العربية الثمن غاليا نتيجة سوء تدبيرها للمرحلة ومتطلباتها .

وإذا كان من باب الموضوعية والبوح بالحقيقة فلا مندوحة من القول أن المجتمع المغربي مقارنة بمجموعة من المجتمعات العربية ينعم بكثير من المميزات التي تجعله بلدا آمنا مستقرا ،فهذه حقيقة ثابتة لم تعد خلفية على احد، لكن من طبيعة الشعوب الطموح دائما إلى الأفضل ، وتوَّاقة دائمة إلى التغيير المؤدي حتما إلى المزيد من التقدم والتطور والذي لا يمكن أن يقاس الا بنظام سياسي أكثر ديموقراطية وأكثر انفتاحا ، ثم باقتصاد قوي ومحاربة الريع ، وتحقيق نسب جيدة على مستوى النمو ، والقضاء على البطالة والفقر والهشاشة التي مازالت فئات عريضة من المجتمع تئن تحت وطأتها ، وتعليم عصري متقدم يستجيب لحاجيات السوق العالمي وما إلى ذلك ، وهذا الأمر لا ينطبق على المغرب وحده بل يمكن أن ينطبق على العديد من الدول العربية التي هي الأخرى راكمت تجارب ناجحة على مستوى التطور السياسي والاقتصادي لكن لا زال ينتظرها الكثير للتخلص من براثين الحروب أولا ثم بناء مجتمع ديموقراطي حقيقي تسوده قيم العدالة والمساواة والحرية .

إن كل هذا الذي حققته وتحققه المجتمعات العربية بأشكال متفاوتة لا يمكن تبخيسه البتة ، ففي النهاية رغم عدم وضوح الرؤية ونموذج الدولة السياسي في معظمها أكثر، ورغم القصور الواضح في مجالات عدة، الا أنه يمكن اعتبار ذلك إنجازا أو رصيدا يجدر البناء والاعتماد عليه فهو نتاج تراكم تجارب إنسانية كثيرة وتحولات عميقة عرفتها هذه المجتمعات مع مرور العقود ، وهو ما أسميه في ب”الكائن” ، أي ما هو موجود ومُتحقق ، الذي لا يمكن الاستهانة به ، بحيث يبدو من العبث الانطلاق من نقطة الصفر وإلغاء كل ما سبق تحقيقه على جميع المستويات في عملية الانتقال أو التغيير المنشود والانتقال إلى المراحل المقبلة ، ونقول أنه غير صالح ، فهذا غير مقبول نهائيا ، لكنه غير كاف ، لأن اللحاق بمصاف الدول المتقدمة لا زال يتطلب الكثبر من العمل ، والكثير من التضحيات والتوافقات والتنازلات بآليات وأقانيم جديدة ونفَس جديد ووعي جديد، وعدة نظرية ومعرفية جديدة تساعد على التغيير الحقيقي والجوهري فيها ، وهذا ما أسميه ب ” الممكن ” . والممكن هو ضد المستحيل ، ففي السياسة كما في المجالات الأخرى ليس هناك شيء اسمه المستحيل ، يكفي أن يكون الإيمان بالتطور في المتناول ، وأن التغيير أمر مهم ليس لصالح المجتمعات وحسب ، بل حتى لصالح الأنظمة السياسية ، فالركود والجمود هما عدوا السياسة والتطور ، والإقرار بأن الضروررة تستدعي ذلك، فالطبيعة لا تقبل الفراغ ، فالتغيير سنة محمودة، ودائما يجب ان تكون هنالك قابلية له ، لذلك لا يجب أن ينظر إلى التغيير وكأنه خطر يهدد المجتمع أو يمكن أن يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه ، فعلى العكس من ذلك تماما ، فالتغيير هو روح جديدة تزرع في المجتمعات لمحاربة التكلس والتحجر ، وكما هو معلوم فحتى الدول المتقدمة تعيش على الدوام حالات من التغير تفرضه تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية ، فهي لا تستطيب تقدمها ورقيها وتستسلم للركود والجمود ، بل بالعكس فهي دائما مستعدة في الانخراط في أي وضعية جديدة تراها مناسبة للمزيد من التقدم ، وحصد المزيد من النقاط على سلم الرقي والازدهار لأن حدود التقدم لا نهاية لها . فعدم الانخراط في دينامية التغيير هو إعلان عن الموت البطيء للأمم والشعوب ، أو عودة إلى الوراء في أحسن الأحوال .ومن هذا المنطلق وجب على المجتمعات العربية استثمار كل ما راكمته من تجارب ورصيد سياسي، وكل ما بنته من مؤسسات وبنيات أن تنتقل إلى مراحل متقدمة ، لأن الأمر لم يعد يحتمل التأجيل، فالانخراط في ديناميات التغيير إلى الأفضل على جميع المستويات والصعد أمرا ملحًّا وضرورة تاريخية، خاصة إذا استحضرنا أو إذا علمنا أن جل هذه المجتمعات لها من الإمكانيات والقدرات ما يجعلها قادرة على الإقدام على هذه الخطوات ومن الممكن أن تقطف ثمار ذلك في الأفق المنظور.

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.