بقلم : ال عشاق –إن القراءة النقدية المتأنية للتصورات التي قدمها (الدكتور) عادل بنحمزة بخصوص المشهد الانتخابي المغربي وتأطيره القانوني لعام 2026 ونحترم رايه طبعا لانه تصور يتماشى مع افرازات المطبخ الاداري الذي ينصهر فيه وليس قناصا حرا ، تكشف عن مخاوف حقيقية تتجاوز البعد التقني للعملية الانتخابية لتلامس جوهر الحريات العامة وفي مقدمتها حرية الاختلاف في الراي والتعبير . فعندما يتحول الهاجس الأمني والقانوني الرامي إلى ضبط الخطاب السياسي وحمايته من التضليل إلى مظلة واسعة، فإنه قد ينزلق في التطبيق العملي ليصبح قيدا ثقيلا يحد من حرية الأفراد والفاعلين في التعبير عن مواقفهم المعارضة بحرية تامة. إن الطرح الذي يحمل المواطن وحده مسؤولية العزوف الانتخابي ويعتبره ضريبة غياب يغفل أن المقاطعة في جوهرها شكلا متقدما من أشكال الاحتجاج السياسي الديمقراطي والاختلاف السلمي مع هندسة المشهد برمته،
كما أن تبرير العزوف بكسل المواطن يلغي حق الأفراد في إبداء عدم ثقتهم في المؤسسات القائمة. كما ان المقتضيات القانونية المستحدثة لتجريم التضليل الرقمي واستعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي، رغم إيجابيتها الظاهرة في حماية الحياة الشخصية، تحمل في طياتها خطورة بالغة تتمثل في مطاطية المفاهيم المستعملة التي قد توظف لتجريم النقد السياسي الجريء أو المانشيتات الساخرة أو فضح ملفات الفساد، مما يخلق حالة من الرقابة الذاتية المخيفة التي تكمم الأفواه وتخنق التعددية الفكرية.
ان حماية المؤسسات التشريعية وتحصينها ضد الشبهات لا يمكن أن يتم عبر إقرار نصوص زجرية صارمة وحدها قد تتحول إلى أدوات ضغط انما يجب أن تستند إلى ترسيخ تنافس سياسي حر وحياد مؤسساتي تام يضمن لكل صوت مخالف أن يعبر عن قناعاته دون خوف من المتابعات أو التضييق. فالانتخابات في جوهرها ليست مجرد مسطرة إدارية لتمرير القوانين وإنتاج مجالس منضبطة، انها ساحة رحبة وواسعة لتلاقي الأفكار وتعارض الآراء بحرية مطلقة، وأي مقاربة تضع الاستقرار وضبط الخطاب فوق سقف حرية الاختلاف تؤدي بالضرورة إلى إفراغ الديمقراطية من محتواها الحيوي وتحويل المشهد السياسي إلى فضاء باهت تفقد فيه التعددية معناها الحقيقي.
إن الخلل البنيوي الذي تعاني منه الديمقراطيات المعاصرة، وفي القلب منها التجربة المغربية، لا يكمن في قصور النصوص التشريعية أو غياب اليقظة التقنية لمواجهة التضليل، انما يكمن في أزمة الثقة العميقة بين المجتمع ومؤسساته. فحين يتم اللجوء إلى الهندسة القانونية والزجرية لضبط المجال العام تحت غلاف حماية التخليق أو الاستقرار الذي يقفز على الفساد وشراء الذمم وهندسة الخرائط الانتخابية يعد اقبح بكثير من التضليل، فالنتيجة الحتمية تقليص مساحات الاختلاف الخلاق والمتقدم، وتحويل السياسة من فعل صراع فكري واجتماعي حي إلى مجرد إدارة تقنية محكومة بالاحتواء. إن حرية التعبير والتنصيص على الحق في المعارضة الجذرية ليستا ترفا زائدا أو تهديدا للمؤسسات، انما هما الشرط الوجودي لأي ديمقراطية حقة، فبدونهما تفقد الانتخابات معناها التنافسي وتتحول إلى طقوس شكلية باهتة لا تقنع أحدا، ويصبح الاستقرار المزعوم مهددا ببركان صامت من الاحتقان المؤجل الذي لا تذيبه القوانين الزجرية وحدها، انما يداويه انفتاح حقيقي على حرية الرأي والتسليم بأن الاختلاف الركيزة الأساسية لاستمرارية أي مجتمع سليم وحر.
![]()
