بقلم : ال عشاق- الهجرة الجماعية للآلاف من شبابنا عبر قوارب الموت وطرق الهروب نحو المجهول والسباحة الى مدينة سبتة المحتلة لا يمكن الاستمرار في التعامل معها كأرقام عابرة أو أحداث موسمية، انه إعلان صريح عن موت العقد الاجتماعي واعتراف جماعي باليأس من العثور على أفق للعيش الكريم داخل الوطن. إن استمرار سياسة غض الطرف وتدبير الاختلالات البنيوية بسياسات ترقيعية وخطابات منفصلة عن واقع المواطن لم يعد مجرد عبث إداري، انما صب للزيت على نار الغضب الاجتماعي المتأجج الذي ينذر بانفجار وشييك قد لا تحمد عقباه.
أدى عجز المشهد السياسي الحالي ومؤسساته عن مواكبة نبض الشارع إلى أزمة ثقة عميقة وفقدان تام للمشروعية الشعبية، فالبرلمان الحالي والحكومة أثبتا عجزا سافرا عن استيعاب حجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية الملحة، مما يفرض بشكل استعجالي حل البغلمان وإقالة الحكومة وتشكيل حكومة تقنوقراط أو حكومة إنقاذ وطني بصلاحيات واسعة وموسعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. إن مؤشرات الاحتقان لم تعد هزة عابرة ولا يمكن إخفاؤها وراء شعارات النمو الوهمي، فرسائل الشارع الغاضب وما يرافقها أحيانا من صدامات ومواجهات وتخريب ومظاهر احتقان واضحة للعيان تؤكد أن جدار الخوف قد انهار تماما، وأن التعويل على صمت المواطن رهان فاشل وقراءة عمياء لدروس التاريخ. إن تجاهل العلامات والتعامل مع الغضب المجتمعي بمنطق المقاربة الأمنية البحتة دون معالجة الجذور الحقيقية للبطالة والتهميش وغلاء المعيشة والفساد، يهدد بإدخال البلاد في نفق مظلم من القلاقل والاضطرابات التي قد تقلب موازين القوى وتجر الوطن إلى سيناريوهات كارثية. إن المسؤولية التاريخية تفرض أكثر من أي وقت مضى جراحة سياسية عميقة وشجاعة تعيد الاعتبار للمواطن وتحقق العدالة المجالية والاجتماعية، وتضع حدا لسياسة الهروب إلى الأمام قبل أن ينهار السور بالجميع وتضيع فرصة التدارك في وقت لا ينفع فيه الندم.
إن التدفق الجماعي الأخير لآلاف الشباب نحو مدينة سبتة المحتلة لا يمكن اعتباره مجرد حادث عابر أو محاولة هجرة تقليدية، انه زلزال سياسي واجتماعي يقرع جرس الإنذار الأخير بأعلى صوت. فالمشاهد المأساوية تجسد هروبا جماعيا من جحيم البطالة والقهر ، وغلاء المعيشة، وانسداد الأفق، وفقدان الأمل في التغيير بالطرق التقليدية، مما يؤكد أن سياسات الترقيع والخطابات الرسمية لم تعد تخدجع . عندما يغامر الشباب بحياتهم متخطين الحدود نحو التراب المحتل، فإنهم يعلنون ضمنيا سقوط حاجز الخوف ويقدمون دليلا دامغا على تآكل الثقة في المؤسسات الرسمية وفي جدوى السياسات العمومية المتبعة.
ان الاحتقان المتصاعد والمتشعب، في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة تعاني منها البلاد، يشكل بؤرة توتر حقيقية قد تتطور في أي لحظة لتأخذ أشكالا احتجاجية غير متوقعة، مما يتقاطع مع الهواجس القائمة من تكرار سيناريوهات هزات إقليمية مشابهة لما تشهده دول مجاورة كتونس وليبيا. إن التعامل مع الوضع الخطير يتطلب شجاعة سياسية نادرة وقراءة موضوعية بعيدة عن لغة التبرير، تبدأ بالاعتراف بوجود أزمة بنيوية عميقة، وتستوجب إجراءات استعجالية جذرية، على رأسها تطهير المشهد السياسي، ومحاربة الفساد وامتيازات الريع، ورد الاعتبار للمواطن عبر العدالة المجالية والاجتماعية، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان وانفجار الأوضاع بما لا تحمد عقباه.
![]()
