بقلم : محمد الفقير –لم يعد خافيا أن تدبير الأزمات الكبرى في المشهد السياسي المغربي بات محكوما بثقافة النعامة حيث يدفن الرأس في الرمال انتظار لعاصفة قد تمر أو لا تمر وما جرى مؤخرا من هجرة جماعية مأساوية نحو مدينة سبتة المحتلة وعدد الحايا الاخد في الارتفاع  وما رافقه من ارتدادات إعلامية ودبلوماسية عالمية هزت أركان الاتحاد الأوروبي ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل العجز البنيوي للحكومة والمؤسسات التشريعية برمتها وأمام فضيحة دولية بكل المقاييس تحولت فيها أجساد البشر إلى ورقة مساومة رخيصة وفتحت الباب لشتى التأويلات والمؤامرات العابرة للحدود وصولا إلى طرح فرضيات تورط مخابرات أجنبية ردا على المواقف الإسبانية المتقدمة تجاه القضية الفلسطينية اختفى الجميع وأين الحكومة وأين البغلمان بغرفتيه وأين معارضة الديكور التي أدمنت تمرين المعارضة بالمجان والجميع أصيبوا بخرس سياسي مطبق وكأن الأمر لا يعدو كونه كابوسا سينتهي بطلوع الفجر

حين تنفجر أزمة بحجم تدفق المئات نحو الثغور المحتلة وتسجيل وفيات وتتحول إلى مادة دسمة لصحافة العالم الكبرى تفترض البديهة الديمقراطية خروج رئيس الحكومة أو الناطق الرسمي للإنارة والتوضيح وتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية لكن ما حصل العكس تماما حيث اختارت الحكومة الهروب من المواجهة متبعة قاعدة إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب متناسية أن الصمت في قضايا السيادة والكرامة الوطنية يقرأ على أنه عجز أو تواطؤ فضلا عن التعامل البيروقراطي البارد الذي تركت فيه السلطات التنفيذية الشارع والرأي العام رهينة للشائعات والتأويلات الخارجية مما فتح الباب على مصراعيه لاتهامات خطيرة مست بصورة البلد وسمعة مؤسساته الأمنية والسياسية على السواء.

المؤسسة التشريعية التي من المفترض أن تكون مرآة للمجتمع وحصنا من حصون السيادة والرقابة الشعبية تحولت إلى مجرد ديكور باهت ومفرغ من محتواه إذ لم تكلف لجان الخارجية والدفاع الوطني بمجلسي النواب والمستشارين عناء استدعاء الوزراء المعنيين لمساءلتهم عن ملابسات الأحداث وكيف تترك الحدود عرضة لمثل الاستغلال السياسي والأمني لتبدو المؤسسة البغلمانية وكأنها معزولة كلية  عن الواقع منشغلة بنقاشات هامشية لا تقض مضجع المواطن في وقت كانت فيه صورة المغرب تتعرض لهزة عنيفة في المحافل الأوروبية والدولية وإذا كان من عذر للحكومة في التهرب من الفضيحة فما عذر المعارضة التي أثبتت أن ما يسمى بالمعارضة البغلمانية ليست سوى امتداد للأغلبية في لحظات الجد فبدلا من أن تقود مبادرة وطنية لمساءلة السلطة أو تصدر بلاغات سياسية وازنة تعيد الأمور إلى نصابها آثرت الصمت المريح أو الاكتفاء بتعليقات باهتة لا تقيم وزنا لخطورة الموقف وكشفت النازلة عن عقم فكري وسياسي تعاني منه الأحزاب برمتها حيث يغيب الخطاب الوطني المستقل والجرأة السياسية لصالح حسابات ضيقة لا تتجاوز حدود المصالح الحزبية العابرة.

إن تداول فرضيات وتأويلات تفيد بأن ما حدث في سبتة قد يكون مدبرا من دوائر استخباراتية إقليمية ودولية ردا على المواقف الإسبانية الشجاعة تجاه غزة والقضية الفلسطينية يعكس حجم الفوضى الجيوسياسية التي يترك المغرب يسبح في فلكها بسبب غياب الدبلوماسية الاستباقية ووضوح الرؤية فحين تترك الدولة مؤسساتها صامتة فإنها تمنح الخصوم والمتربصين حق سرد الرواية وحين يعجز الساسة عن الكلام تتحدث الجغرافيا وتتحدث المأساة الإنسانية وتحول الحدود إلى مسرح لتصفية الحسابات الكبرى وما حدث ليس مجرد انزلاق امني  عابر انه  مرآة فاضحة لأزمة نظام سياسي ونخبة متآكلة تبصم بالعصيان على واجبها الوطني حين تشتد الأزمات وتختفي وراء الكواليس متسببة في تآكل منسوب الثقة الهش أصلا بين المواطن ومؤسساته وإن الصمت المخزي أمام فضيحة سبتة لا يمثل حكمة سياسية  انه إقرار صريح بالعجز وعنوان بارز على مرحلة تاريخية تتطلب إعادة تأسيس حقيقية لمفهوم المسؤولية والمحاسبة قبل أن تتحول الدولة برمتها إلى مجرد شاهد مفعول به في رقعة شطرنج تديرها أطراف أخرى.

Loading

شارك: