بقلم : ال عشاق –بينما تختزل مشاريع التنمية الكبرى وهموم الإصلاح العميقة في ومضة كاميرا وابتسامة باهتة، تتكشف خيانة صريحة لأحلام جيل بأكمله يبحث عن وطن يحيا فيه بكرامة، فالتنمية الحقيقية تبنى بعرق الأحرار وسيادة القانون وتكافؤ الفرص لا باستجداء رضا المسؤولين على أعتاب البروتوكولات  المستنسخة التي لا تقدم حلولا للازمات المتشعبة بل تعيد خلق جيش جديد من التابعين والمطبلين والمتملقين .

باتت ظاهرة التهافت على التقاط الصور التذكارية مع المسؤولين باقليم الخميسات تشكل مشهدا مقززا ومرآة عاكسة لتردي الوعي لدى فئة من المتملقين وتجار الذمم. فما إن يظهر مسؤول في مناسبة عامة، أو حتى في افتتاح عابر لمشروع باهت، حتى تنطلق طوابير المتسولين سياسيا واجتماعيا للظفر بلقطة تذكارية، ليتم تسويقها لاحقا على وسائط التواصل الاجتماعي وكأنها وثيقة اعتماد رسمية أو صك الغفران الذي يفتح أبواب المجد الدنيوي الوهمي.

يضعنا السلوك المثير للشفقة أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة هؤلاء الأفراد وعما إذا كانوا بشرا من نوع خاص يمتلكون مقاييس مشوهة للكرامة الإنسانية، إذ كيف يعقل لشخص سوي أن يختزل طموحاته ومطالبه المشروعة في لقطة عدسة مع موظف عمومي مهما علت رتبته ويعتبر ذلك نصرا تاريخيا. إن تحويل صورة شخصية رفقة مسير أو مسؤول إلى إنجاز شخصي أو طفرة نوعية في الحياة الخاصة، ليس إلا دليلا قاطعا على الإفلاس الفكري والنفسي، فهؤلاء الحالمين لا يدركون أن المسؤول وجد أساسا لخدمة المواطن لا ليكون أيقونة مقدسة تستجدى بقربها البركات والصور.

المضحك المبكي في المسرحيات السخيفة أن بعض المتملقين يعتقدون واهمين أن تلك الصورة كفيلة بالقضاء على بطالتهم أو أنها سترفع عنهم شبح الفقر والتهميش وستمنحهم قيمة في المجتمع، فيظن أحدهم أنه بمجرد أن يحظى بابتسامة باهتة أمام الكاميرا قد فك طلاسم أزمته الاقتصادية وتباهى بالصورة كدليل على النفوذ وقرب صنع القرار بينما  في الواقع لا يعدو كونه أداة ديكور رخيصة في مشهد استعراضي فاشل سينتهي بغياب المسؤول او رحيله عن المنطقة ويصعب قطعا تكرار نفس السيناريو بنفس الادوات. وحتما هي تتغير ادوات اللعبة سيستوعبوا أن الفقر لا يهزم بالومضات الضوئية وأن البطالة لا تحل بالتملق لمن لا يملك أصلا حلا لقراراته.

إن الممارسات الهجينة  لا تقف عند حدود السفه الفردي انما تتجاوزه إلى إهانة حقيقية للوعي الجماعي عبر تكريس ثقافة التسول الرمزي واستبدال المطالبة بالحقوق العادلة في الشغل والصحة والتعليم بالتماس رضا مزيف. إن تجار الذمم وهواة التقاط الصور المجانية يساهمون بشكل مباشر في تمييع النضال الحقيقي ومنح الشرعية لوجوه استهلاكية فاشلة، فالكرامة الحقيقية تنتزع بالعمل الجاد والكفاءة والدفاع الصلب عن الحقوق بلا استجداء صورة تزين الشبكات الرقمية ويتم النصب بها على العالقين في المشاكل الادارية.

أما الهوس بالوقوف بجانب المسؤولين والتباهي بلتقاط الصور ليس سوى الوجه الآخر للإفلاس الأخلاقي وتجسيد حي لثقافة الهوان في العصر الحديث، وليعلم هؤلاء المتهافتون أن التاريخ لا يكتب بصور التملق وصفقات الذمم الرخيصة، بل بالثورات الفكرية التي تحطم أصنام الوهم وتؤسس لعهد لا يموت فيه الضمير الإنساني على وقع هتافات الكذب والتصفيق المزيف.

Loading

شارك: