بقلم : عمر الحاج –حين كانت الكلمة شرفا يضاهي الأوسمة، وكان الرفيق ظلا لأخيه في زنازين القمع وميادين الكفاح، ولحنا صادقا ينبض في صدور المقهورين، ولدت كلمة (الرفيق) من رحم المعاناة والدموع، لتؤطر تاريخا مشرفا من نضالات الشعوب الطامحة للحرية والكرامة والعدالة. لم تكن الكلمة مجرد لقب عابر،  انما عقدا مقدسا بين المناضل الحقيقي  والأرض، وميثاق شرف يربط المصير بالمصير، وعنوانا للزهد في المتاع الفاني والتفاني المطلق في خدمة قضايا الكادحين، اذ كان الرفيق مستعدا لدفع رصيد عمره ثمنا لموقف مبدئي لا يساوم عليه.

تبدلت الأحوال في السنين الاخيرة  وتحولت النضالات الكبرى إلى صالونات مغلقة وشعارات فارغة يلفها الغبار، وتتهافت عليها أحزاب سياسية مغربية نسيت أصولها وتخلت عن جذرها الحي، فلم يبق يربطها بتلك القوى الحية سوى محاولات بائسة للالتفاف على التاريخ النضالي المجيد، استجداء للمناصب وكراسي السلطة وامتيازاتها الضيقة. افرغت كلمة ( الرفيق)  من محتواها الإنساني والنبيل، وتم مسخ الرمز العظيم ليصبح مجرد كاريكاتير هزلي يلوكه أدعياء النضال على ألسنتهم في خطابات باهتة لا تقنع أحدا، مستغلين مقدسات النضال التاريخي لتلبية مآرب شخصية ومكاسب أنانية حقيرة. سحقا لمن هان عليهم تاريخ الأحرار، وباعوا دماء الشهداء وعرق المجاهدين في سوق النخاسة السياسية، ليركبوا صهوة الرفيق زيفا وبهتانا، وكأن التاريخ نسي خياناتهم، وكأن الشعوب العمياء لا تستنشق عطر الصدق لتفرقه عن ريح الاستغلال الآسنة. ستظل الكلمة النقية طاهرة في كتب التاريخ، بينما سيلفظ الزمن كل من اتخذها مطية للوصول، وبئس المصير لمن تحولوا من حماة للشعوب إلى تجار لهياكلها النضالية البالية.

هكذا سقطت الراية الطاهرة، وتحولت كلمة الرفيق من وسام على صدور الأحرار إلى شراك وخداع تنصب في الطرقات لاستقطاب الحالمين الجدد والمغيبين بسكرة الشعارات الفضفاضة والبراقة. لقد باتت الأماني الطيبة والأحلام البريئة للبسطاء وقودا محرجا لإمبراطوريات الانتفاع الحزبي، تستدرج بها عاطفة الأبرياء لتعبئة صناديق الاقتراع ومقاعد الوجاهة، فإذا بالضحايا يتركون في العراء على رصيف خيبات الانتظار ، بينما ينعم تجار الضمير بغنائم السلطة. إنها لجريمة نكراء بحق الوعي الإنساني أن يباع الوهم لمن صدقوا الكذبة، وأن تستغل طهارة النوايا لتدوير عجلة النفاق السياسي، غير أن التاريخ العادل سيطوي  الصفحة السوداء حتما، ليعود النضال الحقيقي طاهرا نقيا، ويبقى مصير المستغلين حطاما على عتبات الذاكرة التي لا تنسى ولا تخدع.

Loading

شارك: