بقلم : ال عشاق –يشكل الشعار المركزي لحزب التقدم والاشتراكية، المتمثل في عبارة (نزعمو كاملين)، محطة أساسية لقراءة التوجهات التواصلية والسياسية للحزب في سعيه للتواصل مع الناخبين خلال الحملة الانتخابية التشريعية المقبلة. إن اختيار  الشعار المحوري يعكس في العمق رهان القيادة الحزبية على اختراق النقاش العمومي وشد انتباه الشارع المغربي عبر رسائل مكثفة تختزل مشروعها المجتمعي والسياسي لكن  طرح الشعار في سياق تنافسي يفرض إخضاعه لمجهر النقد السياسي لمعرفة مدى قدرته على تعبئة القواعد وإقناع الناخب العادي بجدوى الخطاب الحزبي المقترح.

عند تفكيك الدلالات السياسية والنفسية لعبارة (نزعمو كاملين)، يتضح أنها تتجاوز المعنى اللغوي البسيط لتلامس أبعادا متعددة. من جهة لا تحيل على الزعامة الفردية المطلقة، انما تسعى إلى إحداث انزياح مقصود نحو زعامة جماعية توزع مسؤولية القرار والمبادرة على كل مواطن ومناضل ليكون زعيم التغيير في محيطه. ومن جهة أخرى تحيل على ضرورة المغامرة  بمعنى شجاعة الإقدام وتكسير جدار الإحباط والعزوف السياسي، لدعوة الشارع إلى كسر حاجز الخوف والتعامل مع صندوق الاقتراع كخطوة جريئة. ومن منظور التسويق السياسي يستهدف الحزب عبر اللغة القريبة من الشارع الفئات المترددة والشباب، محاولا إبراز هويته كقوة سياسية تواجه الرهان الانتخابي بجرأة وتحدي.

ويفسر اللجوء إلى الدارجة المغربية في صياغة الشعار رغبة استراتيجية في كسر حاجز الاغتراب اللغوي وتجاوز الخطاب النخبوي الخشبي الذي طالما خلق جدارا عازلا بين الأحزاب السياسية وعموم المواطنين، ليتحول الخطاب عبر أنسنته إلى أداة قرب تخاطب وجدان الشارع. كما يهدف الخيار البراغماتي إلى استهداف الفئات الصامتة والشباب الذين يتفاعلون يوميا بالعامية، مما يضمن انتشارا أسرع وتداولا أوسع في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، ويخلق حميمية تعبوية توهم بالندية وتجعل الناخب يشعر بأنه شريك في مغامرة جماعية وليست مجرد مشاركة روتينية، ولو ان السلاح اللغوي يظل ذا حدين قد يهدد بتسطيح النقاش السياسي إذا لم يقرن بالعمق البرنامجي.

وعلى مستوى المضمون والامتداد العملي يحمل الشعار رغبة واضحة في استدعاء الهوية التاريخية والنضالية للحزب المرتبطة بالدفاع عن العدالة الاجتماعية، لكنه يصطدم بتحدي تجديد الخطاب وجعله أكثر التصاقا باليومي المعيش للمواطن. فالشعارات المركزية غالبا ما تراوح مكانها بين العموميات الإصلاحية وضرورة تقديم أجوبة عملية وملموسة عن أزمات القدرة الشرائية والبطالة وضعف الخدمات الأساسية الصحة والتعليم والامن والبنيات الاساسية والشغل والاستثمار . عندما يرفع شعار انتخابي دون إقران دلالته ببرنامج تعاقدي واضح وقابل للقياس إنه يتحول إلى مجرد واجهة بلاغية تفتقر إلى الأثر التعبوي الحقيقي مما يكرس شعور الناخب بالانفصال بين لغة الأحزاب واحتياجاته الفعلية.

من منظور التسويق السياسي تؤدي الحملات الانتخابية وظيفة مزدوجة لاستقطاب الأصوات وإعادة إنتاج الشرعية للمؤسسات الحزبية التي شاركت من موقع المسؤولية في التوقيع على قرارات تخاصم بقوة المطالب الشعبية. وهنا تبرز المفارقة في مدى نجاعة الشعار في استهداف صامتي الصناديق والشباب الذين باتوا أكثر تشكيكا في جدوى المشاركة، إذ لا يقاس نجاح الشعار برنانته اللغوية أو انتشاره البصري، انما بقدرته على تحويل الكتلة الناخبة من العزوف إلى الانخراط الواعي والقدرة على الاعتراف بالاخطاء الجسيمة في حق الشعب لضمان مصالحة والتي لن تاتى بالخطابات و الوعود وانما بالفعل .

ويظل الرهان الانتخابي مرآة فاضحة لظاهرة بنيوية مزمنة تتمثل في الموسمية السياسية، اذ تختفي الهياكل الحزبية وتصمت نخبها طيلة سنوات الولاية التشريعية، لتعود وفاء لعاداتها الموسمية مع اقتراب موعد الاستحقاقات، متخندقة خلف شعارات براقة واستعراضات لغوية فضفاضة لا  علاقة لها اطلاقا  بهموم المواطن الذي فقد الثقة في الاحزاب السياسية بدليل ان القاعدة الجماهيرية  للاحزاب تعاني الضمور والانكماش . إن محاولة استجداء الثقة المغتصبة بعبارات استعراضية عابرة لن تلغي حقيقة أن العمل السياسي الحقيقي لا يبنى على استيقاظ متأخر عند أبواب الصناديق، بقدر ما يبنى على القرب الدائم والمساءلة المستمرة، وحين تتحول الانتخابات إلى مجرد مناسبة عابرة للظهور والاستهلاك الخطابي تصبح دعوات الزعامة الجماعية مجرد صدى صوتي في فراغ مؤسساتي يعمق عزوف الشارع ويفقد السياسة معناها النبيل وان فكرة نزعمو كاملين تحلينا مباشرة على سؤال اكثر عمقا لمصلحة من الحركة .. وما الفائدة ..؟.

Loading

شارك: