تستعيد الساحة السياسية بإقليم الخميسات مع كل محطة انتخابية أو تنظيمية حركيتها المعهودة وينتفح النقاش على مصراعية نقاش يحيل تحيل في شكله ومضمونه على لوحات التبوريدة التراثية حيث الصخب المدوي والبارود الكثيف واصطفافات تبدو في ظاهرها قوية لكنها تخلو من أي عمق استراتيجي. فالحراك متى تم تمحيصه بعين النقد السياسي والاجتماعي يتبخر ليتكشف عن كونه مجرد ظاهرة صوتية عابرة لا تملك من مقومات الفعل الحقيقي سوى الاسم لكونها ممارسة غير مؤسسة على جذور صلبة أو علاقة عضوية حقيقية بين النخب الحزبية والجماهير العريضة. إن الظهور المتسارع لبعض الوجوه والأحزاب السياسية باقليم الخميسات بعد سنوات طوال من الجفاء والقطيعة التامة مع الشأن المحلي والاقليمي وهموم الساكنة لا يمكن قراءته إلا في إطار الانتهازية السياسية الموسمية. فأن تختفي الهياكل الحزبية وتصمت المكاتب المحلية والاقليمية طيلة عمر الموالاة أو المعارضة الشكلية لتستيقظ فجأة مع اقتراب الاستحقاقات أو لغايات مناسباتية تكريس صارخ لمفهوم الزبونية الانتخابية البحتة.
ان العودة الى المحرك السياسي المتبوعة بضجيج إعلامي وشعارات رنانة تعاني من عيب أصلي يتمثل في انقطاع حبل السرة بين الكيانات الحزبية والنبض الحقيقي للشارع الزموري. وتتجلى هشاشة الحراك في كونه يفتقر إلى التعاقد المجتمعي المبني على برامج واضحة وأجوبة حقيقية عن إشكالات الإقليم التنموية من بطالة الشباب وضعف البنيات التحتية وهشاشة العالم القروي الذي يشكل امتدادا جغرافيا وديموغرافيا أساسيا لاقليم الخميسات. فالأحزاب في مجمل ممارساتها الحالية تتعامل مع المواطن كرقم تحصيني في موسم الانتخابات لا كفاعل أساسي في صياغة السياسات المحلية. اغتراب سياسي أنتج شعورا عاما بالامتعاض وفقدان الثقة لدى الساكنة التي باتت تدرك جيدا أن هذا الصخب الحزبي ليس سوى صراع على المواقع والمصالح الضيقة بعيدا كل البعد عن الترافع الجاد عن قضايا التنمية المحلية.
استعارة تشبيه التبوريدة هنا ليست عبثية فهي تعبير بليغ عن مشهد سياسي يستهلك طاقات وإمكانيات شكلية في غير محملها عبر طلقات بارود كلامية وخطابات فضفاضة تفتقر إلى الأثر الملموس في الواقع اليومي للمواطن الزموري. ومثلما تنتهي عروض الفنتازيا بدخان يتلاشى في الهواء تنتهي التحركات الحزبية فور تحقيق الأهداف الشخصية والفئوية للواقفين خلفها تاركين الإقليم يواجه أزماته وهشاشته بمفرده.
إن إقليم الخميسات بمؤهلاته وتاريخه المجتمعي العريق بحاجة إلى نخب وأحزاب تقطع مع ممارسات الاستنبات الفوقي والتحرك الموسمي. وإعادة الاعتبار للعمل الحزبي الجاد تقتضي النزول الميداني المستمر والإنصات النبيل لهموم المواطنين طيلة الفترات الانتخابية وليس عشيتها فقط مع تخليق الحياة العامة وتقعيد الديمقراطية التنظيمية داخل الهياكل الحزبية نفسها وتطهيرها من منطق الريع وتأهيل الفعل السياسي ليتحول من مجرد تبوريدة موسمية عقيمة إلى فعل تأطيري وتنموي حقيقي يساهم في بناء الثقة ورد الاعتبار للمؤسسات.
خلاصة الكلام ان الحراك السياسي باقليم الخميسات لا يبنى على أساس متين بالتقرب من القوة الناخبة و التعامل بمصداقية والارتباط الوجداني والعملي بهموم الجماهير لذلك سيظل محكوما بالفشل ومجرد عبث سياسي لايقدم حلولا للازمات المتشعبة ولا يؤدي الى خلق فضاء تنموي.
![]()
