بقلم : محمد الفقير –في مشهد حزبي باهت باقليم الخميسات يكشف عن رغبة متزايدة في تجاوز الجفاف والعقم وحين تعجز التشكيلات الحزبية التقليدية عن تجديد دمائها عبر النضال الميداني والتأطير العضوي، فإنها تضطر إلى طرق أبواب الكفاءات الأكاديمية والمهنية والمحلية، في محاولة يائسة لسد الثغرات وإعادة تشغيل آلات انتخابية أصابها الصدأ. و تبرز حالة الأستاذ الجامعي جواد بومعجون كنموذج حي ومادة دسمة للنقاش العميق حول طبيعة المقاربات التي يعتمدها حزب التقدم والاشتراكية إقليميا ومحليا في سعيه الحثيث لترميم واجهته السياسية والانتخابية.
ان التحولات السياسية والمجتمعية عمقت الفجوة بين الأجهزة الحزبية والمجتمع، مما أدى إلى تراجع الجاذبية الأيديولوجية. وأمام الانحسار يتحول الحزب من فضاء للتأطير والتكوين إلى مجرد هيكل إداري يبحث عن جاهزية الكفاءات دون الاستثمار الحقيقي في إنتاجها. وهنا تكمن معضلة قطع الغيار فاستقدام شخصية وازنة أو كفاءة أكاديمية بحجم جواد بومعجون لا يعكس بالضرورة نضجا استراتيجيا في بناء المشروع المجتمعي، بقدر ما يعبر عن حالة استعجالية لإطفاء الحرائق التنظيمية وإيجاد واجهات مقبولة لدى الرأي العام المحلي لتغطية الفراغ.
إذا كانت المعارك السياسية التقليدية تخاض في الأسواق والاحياء الشعبية وقاعات الندوات، فإن المقاربة الحالية تعتمد بشكل مكثف على الوسائط الرقمية. تلجأ بعض الدوائر الحزبية إلى إخراج عمليات الالتحاق والاستقطاب عبر صيغ إعلانية ومنشورات مكثفة على شبكات التواصل الاجتماعي. والهدف المباشر من الأساليب وضع المستهدفين في دائرة الضوء ومواقف إحراج سياسي واجتماعي تجعل التراجع أمرا مكلفا، عبر خلق زخم افتراضي يوحي بدينامية وهمية. لكن الرصد السياسي الرصين يؤكد أن الفيسبوك ليس الشارع، وأن تقاسم الصور والبلاغات الحماسية على الفضاء الرقمي لا يغير شيئا من معادلات الميدان. فالكفاءات الأكاديمية مهما بلغت من رصيد معنوي وعلمي تظل حبيسة اطار معين إن لم تسند بمشروع سياسي واقتران ميداني حقيقي بالهموم اليومية للمواطن.
إن الرهان على الأستاذ جواد بومعجون كامتداد لنوعية الاستقطابات التي ينهجها الحزب يطرح السؤال الجوهري حول ما إذا كانت الوجوه الأكاديمية وحدها قادرة على تعويض غياب الحاضنة الشعبية. التجارب السياسية في الإقليم تؤكد بالمحسوس أن الجماهير لا تعبأ بالشهادات العليا ولا بالبروفايلات الأكاديمية الراقية ما لم تكن مقرونة بخطاب قريب من النبض الشعبي وقدرة على ترجمة الأكاديميات إلى لغة بسيطة ومباشرة تخاطب مشاغل البطالة والتهميش وضعف البنيات التحتية، فضلا عن الميدانية المستدامة بالحضور الفعلي وسط الناس وليس فقط عشية الاستحقاقات الانتخابية، والاستقلالية في القرار لتجنب الوقوع في فخ الديكور السياسي الذي يستخدم لتزيين الواجهات بينما تظل مراكز القرار الحقيقي محصورة في دوائر ضيقة.
إن محاولات حزب التقدم والاشتراكية عبر آلياته الإقليمية والمحلية لاستقطاب كفاءات بحجم جواد بومعجون تؤكد بالملموس تعطش التنظيم لشرعية جديدة تعوض تآكل شعبيته التاريخية. غير أن الاكتفاء باستعراضات الشبكات الرقمية واستراتيجيات قطع الغيار الموسمية يظل حلا ترقيعيا. فالسياسة الحقيقية لا تبنى بالبلاغات الفوقية ولا بالاستقطابات الظاهرية، انما بإعادة بناء الثقة مع المواطن البسيط، وهي معركة لا تقودها الوجوه وحدها انما يكتب تفاصيلها مشروع مجتمعي متكامل ينزل إلى العمق الترابي بلا استعراض وبكثير من الصدق النضالي.
![]()
