بقلم : بنعيسى يوسفي – ما معنى أن تكون سياسيا …؟ أو كيف يمكن للمرء ان يصبح سياسيا…؟ قليل هم من يطرح مثل هذه الأسئلة وغيرها في المجتمع المغربي بشكل خاص ، وحتى في المجتمعات العربية بشكل عام ، فالكثير من الناس من مختلف الفئات يعتقدون أن ممارسة السياسة أمر في غاية السهولة ، دون أن يدركوا أن هذه الممارسة من أعقد وأصعب الممارسات الإنسانية ، خاصة إذا تعلق الأمر بالممارسة السياسية الحقيقية التي تخضع لضوابط علمية ومنهجية صارمة ، كما نلمسها في العديد من البلدان الديموقراطية المتقدمة في هذا المجال ، فهل الأمر يقتضي الانخراط في حزب سياسي معين ، منذ الطفولة أو من مرحلة المراهقة والشباب على الأقل ، والتدرج في أجهزة الحزب ، والاحتكاك اليومي المباشر مع الذين سبقوك في هذا الميدان ، لأخذ التجربة والخبرة ، وإظهار القدرة والكفاءة في تحمُّل المسؤولية وفهم آليات وأدوات اشتغال المنظومة الحزبية ؟ أم أن الانخراط في المجال السياسي ، مثل سوق شعبي مفتوح للجميع ليس له عمر محدد ، ولا يحتاج إلى بروفايلات محددة ، ولا يخضع لخصائص أو شروط معينة ومناسبة ، يمكن أن يكون المرء كهلا أو شيخا ، ويلج باب السياسة من بابه الواسع ، خاصة وأننا نعلم أن في هذا الميدان وحده لا تسقيف للسن فيه ؟ ثم هل الأمر يستدعي أن يكون السياسي مثقفا أو له مستوى دراسي معين على الأقل يساعده على فك شفرة الكلمات والمصطلحات ، أم أن هذه الممارسة تبقى حقا دستوريا للمثقف كما للأمِّي ، وللمتعلم كما للذي لم تطأ قدماه يوما المدرسة ؟ هل لا بد للإنسان الذي تستهويه السياسة ولديه طموح سياسي ، أن يكون له تكوين سياسي معين ، وأن يكون له اطلاع بالقدر الكافي على مفاهيم ومبادئ الفكر السياسي كما هي مطروقة في كتابات المفكرين السياسيين ، سواء الغربيين أو العرب ؟ هل يمكن أن يمارس الانسان السياسة من فراغ دون عُدة فكرية ودون اطلاع على المدارس والنظريات السياسية العالمية ، وأساليب وأدوات اشتغالها وهكذا دواليك ؟ هناك مفارقات غريبة وعجيبة تحف هذا المجال ، المجال السياسي ، ومن هنا نجد انفسنا أمام نوعين من الممارسة السياسية ، نوع يتم فيه استحضار هذه الأسئلة ونوع لا يلقي لها بالا ولا يغير لها اهتماما، فأما النوع الأول فهو ما يمكن تسميته بالممارسة السياسية الواعية المقننة المبنية على أصول وقواعد العمل السياسي الحقيقي ، وعلى أسُس فكرية ونظرية ومعرفية وإيديولوجية ، تجد فيها السياسي له قدرة فائقة على التفكير والتنظير واقتراح تصورات وخُطط ، يدافع عن قناعاته وتوجهاته ، ولا يسمح لنفسه استبدال الحزب الذي ينتمي إليه وتربى بين ظهرانيه ، أو صباغته بلون حزب آخر ، مهما بلغت حدَّة الاختلاف فيه ، هذا النوع تجده في الدولة الديموقراطية التي تحترم نفسها ، حيث تعتبر السياسة مدرسة لإنتاج القيم أولا التي ترتقي حضاريا بالمجتمعات ، ثم إنتاج الخطاب السياسي الصادق والواقعي الذي يستجيب لنبض المجتمعات ، ويساهم في تقدمها وتطورها ، والحفاظ على مصالحها في علاقتها مع المنظومة الدولية الكونية ، وبناء عليه يتم صياغة برامج واستراتيجيات تهدف إلى الإجابة على إشكالات المجتمع واحتياجات الفرد فيه على جميع المستويات ، على اعتبار أن الأحزاب السياسية في هذا النوع الذي نتحدث عنه ، تكون أحزابا قوية منظمة بشكل كبير ، أحزاب ديموقراطية حقيقية ، يمكن أن يضع فيها المسؤول الحزبي مفاتيح الحزب على الطاولة ، ويدفع استقالته في أول خطأ يرتكبه ، أو في أول منعطف أو منعرج سياسي لم يحسن التعامل معه ، مما يجعل هذا السياسي حريص على الانضباط لقوانين الحزب وتوجهاته ، وعدم الاخلال بها ، والحذر أكثر من أي كبوة أوزلة يمكن أن ترمي به خارج أسوار الحزب أو أن تعصف بمستقبله السياسي ككل ، لأن هناك شيء اسمه المحاسبة ، كفعل تطبيقي واقعي ، وليس شعارا رنانا يتم ترديده وقت الحاجة ، أحزاب لها مصداقية ووزن في الساحة تستمدها من طبيعة الحال من القواعد والجماهير التي تشتغل لأجلها وتحقيق ومطالبها ، هذه القواعد والجماهير نفسها التي تكون واعية كل الوعي بما يفعله السياسي ، هي سنده ، تدعِّمه و تراقبه وتترصده ، وتقيم عطاءاته ، وتقف عند نجاحاته وإخفاقاته ، استعدادا للمحاسبة التي تأتي مع كل اقتراع أو استحقاق انتخابي ، وهكذا ففي هذه الممارسة السياسية السليمة والحقيقية تجد تناغما بين السياسي والمواطن ، وتجاوبا كبيرا بينهما ، لأن كل واحد يعرف ما له وما عليه ، فالمواطن في هذا النوع من الممارسة ، لا يمكن أن يعطي صوته الا لمن يراه مناسبا ، وله من القدرات السياسية والكفاءة العلمية ما يجعله قادرا على ترجمة برنامجه على أرض الواقع ، والسياسي في المقابل لا يمكن ان يزداد رصيده السياسي الا بالتفاني والبحث عن كل السبل لإقناع أولا المواطن ببرنامجه وثانيا كسب ثقته وأخيرا الوفاء بكل الوعود التي قطعه على نفسه حياله ، نحن نعلم أن السياسة كما يقال هي فن الممكن ، وهي مجال نسبي ، نسبة النجاح والإخفاق فيها متساوية ، لكن من المفروض على السياسي إذا لم يستطع إنجاز كل وعوده ، فعلى الأقل أن ينجز نسبة محترمة منها يظهر أثرها ووقعها في المجتمع ، والسياسة سيرورة غير متناهية ، فما قد لا تتوافر شروط إنجازه في مرحلة معينة ، يمكن أن تتوافر لاحقا ، وهذه سمة تطبع العملية السياسية المتحركة التي تعيش دينامية متطورة ، و سبل إيجاد الحلول دائما تبقى واردة. أما النوع الثاني من الممارسة السياسية فهو ذلك الذي ينتشر بشكل فظيع في المجتمعات العربية المتخلفة ، والتي يعتبر المغرب واحدة منها بطبيعة الحال ، ممارسة غير مؤسسة على أسس فكرية وعلى المبادئ الصلبة التي تجعل منها ممارسة سياسية حقيقية ، مما يجعلها تبدو في جوهرها شكلية أوصورية ، وبعيدة عن الواقعية السياسية المبنية على ثوابت وضوابط علمية ومنهجية قارة ، لأن السواد الأعظم من الذين يمارسون السياسة في هذه المجتمعات لا يمارسونها من منطلق فكري أو إيديولوجي أو وفق تصورات سياسية واضحة كما نلمسها في جل الدول الديموقراطية وإنما يمارسونها من منطلق أن لديهم بعض الإمكانيات الأخرى غير هذه التي نتحدث عنها ، ومنها الإمكانات المادية بالخصوص ، فيكفي في هذه الدول المتخلفة أن تكون صاحب ثروة ، وتفتح لك أبواب السياسة على مصراعيها ، وأنت لا تعرف شيئا عن أبجديات السياسة الأولى ، فالمال يغنيك عن ذلك ، يكفيك أيضا أن يكون لديك امتداد قبلي أوحظوة عشائرية أو تكون من الأعيان أو قريب من دوائر القرار، فتجد الطريق سالكة لولوج هذا الحقل ،بل وتولِّي مناصب سياسية مرموقة، كل هذه السلوكيات وغيرها تجعلك تقف أمام مشهد سياسي ضعيف ومترهل ، وهذا ما ينعكس سلبا على الأحزاب السياسية ومردوديتها في هذه المجتمعات ، هذه الأحزاب التي لا تجد غضاضة في استقبال هذه الفئات من المجتمع باعتبارها أوراق انتخابية رابحة ، لكن لا تدرك أن ذلك لا يمكن أن يعطي للحزب فكرا أوخطابا سياسيا حقيقيا أو دفعة إلى الأمام ، يجعل المواطن يثق فيها، أو يعطي استمرارية وقوة للحزب على المدى البعيد ، مما يؤدي حتما إلى ما يسمى بالعزوف السياسي الذي تؤدي فيه هذه المجتمعات وهذه الأحزاب كلية الثمن غاليا ، فالأحزاب التي تعاني اليوم من سوء النتائج على المستوى الانتخابي أو تدهور كبير على المستوى التنظيمي والتدبيري وانسداد الأفق ، هي التي تراهن على هذه الفئة ، وتستغيث بها ، وهي غير القادرة على تقديم أي إضافة لأنها ، لأن فاقد الشيء لا يعطيه ، وهكذا تجدها دائما لها استعداد لمغادرة هذا الحزب أو ذاك وتحط الرحال في حزب آخر دون أن يرف لها جفن ، تفعل ذلك لأنها غير مستوعبة تمام الاستيعاب لمفهوم العمل السياسي الحقيقي ، المبني على احترام الحزب وأدبياته وتعتبر نفسها فوق القوانين الحزبية ، لأنها تضع مصلحتها فوق كل اعتبار تعتقد أن المال يحل جميع المشاكل ، ويمكن أن يوصل إلى أعلى المراتب، وهذا غير صحيح ، وغير مقبول في المجال السياسي ، ويبقى الخطير في هذا النوع من الممارسة السياسية والذي له تأثير مباشر على الدولة والمجتمع وهو توظيف السياسة لتحقيق أغراض شخصية وجني ثمار ذلك على حساب مصلحة المواطن والدولة ، خاصة في ظل غياب المراقبة أو المحاسبة ، أو الاحتماء بقوانين تكون هي من سنَّتها وشرَّعتها ، وهذا ما لا تخطئه العين في بعض هذه المجتمعات التي اغتنى فيها الكثيرون بفعل هذا التوظيف الانتهازي للسياسة ، واستغلال المناصب ، ومنهم من ازداد غنى ، في الوقت الذي ازدادت الشعوب فقرا .وفي حقيقة الأمر لو أردنا جرد كل الخصائص والمميزات التي يتميز بها هذا النوع من الممارسة السياسية لما أسعفتنا هذه الورقة ، وكلها من طبيعة الحال تعطي صورة واضحة أننا بعيدون كل البعد عن خصوصيات النوع الأول ، الذي يجسد الممارسة السياسية السليمة التي تجتهد لتحسين ظروف عيش أفراد المجتمع ،ويبقى ذلك هو شغلها الشاغل ، وهذا النوع كما أسلفنا من دون شك له تأثير واضح على الحالة الاجتماعية والاقتصادية ، وهو السبب الرئيس في كل الأزمات والاحتقانات التي قد تعرفها المجتمعات التي يسود فيها ، وبهذه الصورة وبهذا الشكل من التدبير السياسي الذي تمارسه هذه الأحزاب المعطوبة في هذا الأنموذج، والتي تفتح ذراعيها لكل من هب ودب ، بمستوى فكري أو أكاديمي أو بدونه ، بتكوين سياسي أو بدونه وهلم جرى ، لا يمكن أن تنتظر الا استفحال الظواهر المشينة وتفاقم الاختلالات البنيوية في المجتمع وتأجيل ترسيخ الفكر والمبادئ الديموقراطية والحقوقية والقانونية في المجتمع ، وإذا كان المواطن في النوع من الأول الذي تحدثنا عنه له سلطة كبيرة في تحديد مسار الحزب ، وفي التدخل المباشر لتقويم اختلالاته ، وكلمته مسموعة ، باعتباره مواطن واع بكل ما يدور حوله ، مما يجعله جزء مهم ومؤثر في المنظومة السياسية في مجتمعه ، الا أنه في هذه المجتمعات المتخلفة التي يسود فيها النوع الثاني ، المواطن فيه لا يرقى إلى ذلك المستوى الذي وصل إليه المواطن في النوع الأول ، ليس لأن ليس هناك وعي أو أنه لا يفقه شيئا في السياسة أو شيء من هذا القبيل ، بل لأنه لا يلمس أي تأثير لدوره في العملية السياسية ، ليبقى فقط دوره محصورا في الإدلاء بصوته فقط ، كلما طلب منه ذلك ، فالإشكال يكمن في كون أن الأحزاب في هذه المجتمعات لا تعطي الفرصة لهذا المواطن بأن يعبِّر عن رأيه بحرية ، أو أن يكون شريكا لها في العديد من الممارسات ، ولهذا فالكثير من المواطنين في هذه المجتمعات لا يميلون إلى السياسة ولا تستهويهم ، لأن الأحزاب لاتفتح لهم أبوابها، ولا تقبل الا مواطنين أو منخرطين على المقاس ، ولهذا ترى العديد من المؤسسين والمناضلين والمثقفين قد غادروا أحزابا أفنوا فيها زهرة شبابهم ، لأنهم لم يجنوا أمام الديكتاتورية الحزبية و البيروقراطية القيادية الا التعب والسراب ، ولأن صوتهم لم يعد مسموعا وغير ذي قيمة ،ولا مرغوبا فيه، أو لأن جهرهم بالحقيقة يزعج الزعيم، ويُنغِّص عليه لذة التمتع بالقيادة والزعامة وإعطاء الأوامر وإصدار التعليمات، وبالتالي آثروا الانسحاب من المشهد السياسي نهائيا ، لكن رغم ذلك ، كل هذا لا يعفي هذا المواطن من تحمُّل جزء من المسؤولية فيما آلت إليه الأوضاع ، بحكم عدم حسن اختياره السياسي في بعض الأحيان ، أو بحكم استغلال حاجته وفقره من طرف هيئات سياسية بعينها لتبني على ظهره مجدا مزيفا أو فوزا انتخابيا عابرا ، فالمواطن يجب أن يستعيد أدواره المفقودة ، ولا يترك المجال مترعا لكل من يريد أن يعيث بمصلحته ليحقق هو مبتغاه ، ولعمري هذه معركة حقيقية يجب على الكل الانخراط فيها لتأهيل المشهد السياسي والحزبي في هذه المجتمعات ، ولا يجب ترك الأمور تسير في هذا المنحى ، فلقد تعب الجميع من هذا المشهد الذي بات وكأنه قدر محتوم ، لا طاقة لهذه المجتمعات المغلوبة على أمرها من تغييره.
![]()
