بمجرد أن تبدا محارك الحملات الانتخابية بإقليم الخميسات يرتفع الستار عن العرض المسرحي الأغر الذي لا تنقصه الإثارة ولا البهرجة فالموروث الثقافي والحضاري الذي كان بالأمس القريب ينسى في زوايا النسيان ولا يستدعى إلا لنفض الغبار عن بعض الفولكلور الموسمي يجد نفسه فجأة في قمة الهرم التنموي والاجتماعي والمطلوب رقم واحد لتجميع الناس.
لقد تحولت التبوريدة وفرق أحيدوس من موروث فني عريق يختزل ذاكرة وكرامة الأرض إلى سندويتشات دعائية سريعة الاستهلاك تستهلك على أنغام البارود وتمضغ على إيقاعات الأغاني الحماسية التي تمدح سعادة المترشح وكأنه المنقذ المنتظر في الحالتين الأمر سيان في المهرجانات التقليدية الخيل تصهل احتفاء بالأرض والطقوس والفرسان يشدون على البنادق لترسم سحب البارود لوحة جمالية تزين سماء الأطلس بالصور الزاخرة.
وفي الحملات الانتخابية يتحول الخيل إلى لوحة إعلانية متنقلة والبارود إلى مفرقعات صوتية تلهب الحماس الأعمى بينما تجد الفارس أو بالأحرى المترشح يمتطي صهوة الخطب الرنانة والوعود الورقية الممزقة مستخدما جلالة الفن الشعبي كجسر ترابي للعبور نحو قبة المجالس المنتخبة أن تطلق رصاصة بارود لترضي قبيلة أهون بكثير من أن تطلق وعدا انتخابيا تعجز عن الوفاء به لخمس سنوات كاملة أما فرق أحيدوس تلك الحلقات الدائرية المتشابكة الأيادي التي تعبر عن التضامن والوحدة والالتصاق بالجذور فتجد نفسها مكبلة بلحن جديد مغاير تماما لحن المصلحة والولاءات الظرفية تتحلق الحلقات حول كبير القوم أو المترشح المتخشب فوق الكرسي مند اربعة ولايات وكأن الصفوف الملتفة تعبر عن تماسك شعبي غير مسبوق في حين أن الرقصة برمتها لم تعد سوى أداة تسويق سياسي رخيصة تبيع الفرح البصري بثمن بخس تغنى القصائد حماسة للمرشح ويصفق الجمهور على إيقاعات الدفوف وكأن التنمية المحلية ستبنى على أنغام تراست أو تصفيق أحيدوس متناسين أن الخدمات الاجتماعية ومشاكل التهميش والإقصاء والهشاشة والفقر لا تحتاج إلى بارود بقدر ما تحتاج إلى برامج حقيقية ومساءلة صارمة
وفي النهاية يبقى الموروث الثقافي في إقليم الخميسات ضحية لموسمية مقيتة يستنفر حين ترتفع حمى الصناديق الانتخابية وينسى بمجرد إغلاق مكاتب الاستقطاب وطي أوراق الاقتراع فلتهنأ الفرسان ببارودها ولترقص فرق أحيدوس على إيقاع وعود تتبخر مع أول قطرة مطر شتوية فما أروع السياسة عندنا حين تختزل في بهارات المهرجانات ومواسم الاستعراض المجاني.
![]()
