بقلم : ال عشاق –يدخل المواطن البسيط ردهات الإدارة في اقليم  الخميسات حاملا وثيقة تعفنت في طوابير الانتظار الاجرب، غالبا ما يستقبل بوجوه عابسة تكفي لتجميد الأنهار. ملامح جامدة، نظرات تتفحص المرتفق بريبة وشك، وعبارات مقتضبة تشبه صواعق الكهرباء. وما إن يلوح في الأفق طيف عامل إقليم الخميسات السيد عبد اللطيف النحلي، أو حتى طيف موكب يقترب من مكتبه، حتى يتحول المشهد بأسره إلى مسرحية هزلية متقنة.

لقد أثبت التتبع الميداني و قراءة مئات الصور الموثقة في أرشيفات المناسبات الرسمية بمختلف الجماعات الترابية للإقليم أننا أمام ظاهرة فيزيائية فريدة من نوعها تتمثل في التمدد العضلي الانتقائي. فعضلات وجوه الموظفين التي تصاب بالشلل النصفي التام أمام وجه المواطن البسيط، تنشط فجأة وبشكل عجيب وبترددات عالية فور ظهور  ممثل صاحب الجلالة . تتحول الشفاه المختومة بالعبوس والسخط إلى ابتسامات عريضة تشق القفا، وتتحرك الأجساد بانحناءات بهلوانية مدروسة بعناية فائقة. والأغرب تجد نفس النسخة المطابقة من الابتسامات ونفس الحركات الميكانيكية تتكرر بحذافيرها في كل زيارة أو تدشين، وكأن هناك دليلا وطنيا للنفاق المكتبي يتم تدريسه سرا في أروقة العمالة وباقي الادارات العمومية والمؤسسات الدستورية على المستوى الاقليمي.

 نعتقد ان السر وراء الظاهرة ليس في كيمياء الحب أو الاحترام، انما في اقتصاد المصالح الضيقة والخوف من السلطة. فالموظف الذي يترقب تقريرا أو توقيعا أو تنقيطا، أو يخشى غضبة عامل الإقليم، يدرك تماما أن إرضاء المسؤول الأول أهم ألف مرة من إرضاء المواطن البسيط الذي لا يملك سوى دعاء في ظهر الغيب. كما أن العبوس في وجه المرتفق مجاني ولا عقوبة عليه، انه دليل هيبة وسلطة مزيفة في نظر الإدارة التقليدية، أما العبوس في وجه عامل الإقليم  جريمة إدارية كبرى تكلف الموظف توبيخا أو جولات تأديبية لا تحمد عقباها. ومع عدوى القطيع المنافق، عندما ترى المسؤول الفلاني يقهقه بانحناءة نصف دائرية تحية لعامل الإقليم تجد بقية الحاشية مجبرة على مجاراته خوفا من أن تتهم بقلة اللياقة البروتوكولية أو التمرد الصامت.

إن التناقض الصارخ يعري أزمة أخلاقية عميقة، اذ يستعبد الضعيف بالعبوس والنرفزات والسخط العارم، ويعبد المسؤول بالابتسامات المزيفة والولاءات الشكلية. فالموظف في هذه الحالات يرتدي قناعين، قناع الغول الشرس في وجه من يدفع أجرته من ضرائبه، وقناع الهر الأليف الرقيق أمام الآمر الناهي في العمالة.

ويبقى السؤال الاهم في الصورة العامة  معلقا في شوارع وأزقة اقليم الخميسات ، متى سيفهم هؤلاء أن ابتسامة في وجه مواطن بريء تعد  قمة التواضع والاحترام ، بينما الابتسامة الموجهة لعامل الإقليم أو غيره نفاق مهني مكرر لا يغني ولا يسمن من جوع تنموي….؟

Loading

شارك: