بقلم: بنعيسى يوسفي  –تذهب الكثير من الدراسات اليوم إلى أن هنالك أعطاب حقيقية مستحكمة تشلُّ حركة العقل العربي ، فيما قد يشبه أزمة عميقة تحتاج على إلى وقفة تأمل كبيرة ، للبحث و اجتراح بعض السبل والآليات القمينة التي يمكن أن تخلصه من أقمطتها، وتجعله يستعيد قوته وديناميته وألقه وتوهجه ، والحقيقة حينما يتم الحديث عن الأزمة في أي مجال من المجالات فهذا يعني أن هناك عهد سابق يكون فيه هذا المجال قد وصل ذروته أو مراحل جد متقدمة ومتطورة ، ويحدث نتيجة ظروف ومتغيرات معينة أن يكون هناك تراجع كبير أو انهيارتام يصعب معه النهوض ثانية ، أو قد يكون ذلك بشكل متأخر بعدما تستبين الأمور ، وينقشع الضباب ويتم الكشف عن الأسباب الحقيقية الموضوعية التي ساهمت في حدوث هذه الأزمة ، وما دام الحديث هنا عن العقل العربي والأزمة التي يمر منها اليوم فإنه من الضروري القول أولا أن هذا العقل قد مر من مراحل زاهية ومزدهرة طوال قرون خلت ، خاصة حينما كانت الإمبراطورية الإسلامية في أوجها ، لقد كانت الآلة الفكرية العربية تشتغل دون انقطاع في مختلف ضروب الفكر والمعرفة والتاريخ ، هذا بالإضافة إلى ضروب الأدب من شعر ونثر ونقد ، وباقي والعلوم الأخرى التي أبدع فيه العرب وأنتجوا فيها كتبا غزيرة ، وأسسوا فيها مدارس مستقلة ذات خصوصية ، هذا علاوة على كل ما له علاقة بعلوم الدين والفقه وما إلى ذلك ، فالعقل العربي القديم إن صح التعبير لم يدع بابا معرفيا الا وطرقه وكان سباقا إلى اقتحامه، وكشف خباياه وتفاصيله ، والغوص في أغواره وأعماقه، هذا في الوقت الذي كانت فيه شعوب وأمم أخرى تغط في نوم عميق وعقلها يعيش في سبات ، ويرفل في غيابات الظلام الدامس ، ولو أردنا القيام بجرد لكل الكتب التي كتبت في كل مجال من تلك المجالات وأصحابها لما أسعفتنا هذه الورقة ، ولقد كانت السمة الطاغية على كل هذا المنتوج الفكري هو الغنى والتنوع والاختلاف الذي لم يفسد يوما للود قضية ، بقدر ما كان حافزا للمزيد من العطاء والإنتاج الوفير غير المنقطع ، فماذا حصل اليوم حتى بات الجميع يتحدث عن أزمة خانقة يعيشها العقل العربي ؟ ما الذي تغير حتى صارت الأمور على هذه الشاكلة ؟ هل يمكن القول أن هذه الأزمة اليوم هي أزمة بنية معرفية ، أم أزمة تاريخ لم يهضم بعد ؟ أم أن هذا التراث الفكري الغزير الموروث هو نفسه شكل عائقا أمام التطور ، وساهم بشكل أو بآخر في نسج خيوط هذه الأزمة ؟ وأخيرا وليس آخرا ، هل هذه الأزمة ناتجة عن التوتر الدائم بين هذا الموروث الذي تحدثنا عنه وإكراهات الحداثة ؟ أم أن ثمة ظروف متضافرة ومتشابكة يصعب الفصل بين عناصرها ، تدفعنا إلى القول على أن الأزمة هي أزمة مركبة ومعقدة ؟ أسئلة كثيرة وعميقة يمكن أن يطرحها المرء وهو يريد أن يتلمَّس الأسباب الحقيقية التي أفرزت هذا الوضع الذي يعاني منه العقل العربي ، ومن المؤكد أن لكل باحث أو دارس رؤيته الخاصة لهذه الأزمة ويعيدها إلى ظروف خاصة ، تبدو له هو هي الحقيقية ، مثلما قد تبدو للآخر عكس ذلك ويطرح بدائل أخرى وأسباب أخرى ، لكن في النهاية كلها تفضي أن هناك أزمة ، كيفما كانت المقاربات والرؤى تبقى الحقيقة واحدة .

وفي واقع الأمر وكما ذكرنا آنفا رغم تعدد المقارباب ووجهات النظر بخصوص هذه الأزمة ، لكن لا مندوحة من أن تجد بينها بعض التقاطعات التي يكاد يتفق حولها الجميع ، وهي التي تشكل العمود الفقري والعصب الحي لها ، مما يعني أن أول خطوات الاشتغال وخوض هذه المعركة تنطلق منها ، يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط أساسية ، التعاطي معها بشكل عقلاني ومدروس وبدون خلفيات مسبقة ، قادر على أن يجعل هذ الفكر يتخطى هذه الأزمة ، وإن كان الأمر ليس بتلك السهولة التي قد يعتقدها البعض ، وهي التأسيس لنظام معرفي متجدد يقطع مع النظام الموروث في هذا الشأن ، بناء ونسج علاقة جديدة مع مصادر المعرفة في أزمنتها المختلفة ، وأخيرا الارتباط الوثيق مع الواقع المدروس وكيفيات إدراكه واستشكال موضوعاته .ففيما يتعلق بالنقطة الأولى فالواضح أن العقل العربي أو الإسلامي عامة ما برح منحكما في نظام اشتغاله بمنظومة من المفاهيم وآليات التفكير التي تعود إلى أزمنة معرفية قديمة ، وقد تضاءلت إجرائيتها ونجاعتها لسبب بسيط ومعلوم وهو عدم ملاءمتها لتناول إشكاليات ومعضلات اليوم ، وعدم انفتاحها على الثورات المعرفية والمفهومية الحديثة والمعاصرة ، مشكلة هذا النظام لا تكمن في كونه نظاما قديما موروثا ، فقد يكون مفيدا في زمنه الماضي ، بل هي في كونه مازال متجددا ويلقي بكلكله على الحاضر ، ويعيد إنتاج نفسه وكأنه لا جديد جد في التاريخ وفي المعارف وفرض على الفكر وأحكامه .وبالتالي نخلص إلى القول أن هذا النظام المعرفي الموروث لم يعد صالحا لهذا العصر ولثقافته ولمتغيراته وتحولاته . أما فيما يرتبط بالنقطة الثانية فالأمر يقتضي بلورة علاقة جديدة للفكر العربي والإسلامي مع مصادر المعرفة بمختلف تجلياتها بمنظور جديد يتماشى والخصوصيات الراهنة ، ذلك أن الطريقة التي هي عليها هذه العلاقة بينهما اليوم لا يمكن أن تحرر هذا الفكر من جملة من القيود المفروضة عليه ، وتجعله ينعتق من أغلالها ، سواء بارتباط هذا العقل بمصادر المعرفة الإسلامية الكلاسيكية ، أو بارتباطها بمصادر المعرفة الإنسانية الحديثة والمعاصرة ، فالانشداد الأعمى إلى المرجعية المعرفية التراثية وتبجيلها وانسجان في أقفاص مسلماتها ، مع الإنكار الرديف لكل معرفة أخرى غيرها وجهلها الجهل الكامل من جهة ، ثم من جهة ثانية ، هذا التماهي التام مع المعرفة الغربية الحديثة واستنساخها واستظهار معطياتها ، مع الجهل المطبق بالموروث الفكري والثقافي العربي والحط منه والزراية به ، دون حس نقدي بناء لا حيال التراث ولا تجاه الحداثة ، كل هذا يجعل هذا الفكر دون أفق واضح ، ومحاصر في دائرة ضيقة ، لا تسعف على إنتاج خطاب أو فكر مستقل ومتحرر من هذه الثنائية التي تكرس التبعية والانسياق وراءها ، وهذا ما يستوجب إعادة النظر فيه باستحضار أسئلة من قبيل كيف يمكن استثمار التراث دون السقوط في الببغائية أو الاجترار وإعادة الإنتاج ، وكيف يمكن أن نؤسس تصورا فكريا واضحا تجاه موجة الحداثة دون السقوط في الاستيلاب أو الاستنساخ الحرفي لها ، أو دون أن نكون رجع صدى لها فقط ؟ يبقى فقط أن نعرج على النقطة الثالثة حتى تكتمل الصورة وهي تتمثل في ضرورة وأهمية إدراك الموضوع الذي يتم تناوله وإحسان ذلك الإدراك ، ما يعانيه الفكر العربي أو الإسلامي اليوم أكان مصدر الموضوع واقعا أو معرفة أو فكرا ، طريقة تناوله والتفكير فيه والانشغال بعناصره ومكوناته لا تكون بالشكل المطلوب ، لأن هناك نقص في بعض شروط الإدراك الجيد له ، خاصة إذا تم إخضاعه لأدوات ومفاهيم تبدو برانية عن ذلك الموضوع وتجافيه . هكذا يجد العقل نفسه في غربة عن واقع (تاريخي ، مجتمعي ، معرفي ..)لا تنطبق عليه مفاهيم المعرفة التي يتوسلها ، أوهو لا يدخل تحت أحكام ممكناتها التفسيرية . لا يتبين وجه الإعضال في هذه النقطة الا في استحضار معطيات النقطة الثانية المتعلقة بمشكلة العلاقة بمصادر المعرفة ، خاصة انحباس العقل في الدائرة المغلقة للتراث أو الحداثة في مظانها الغربية . هكذا يبدو العقل المسكون بمعارف الماضي وقيم التقليد عاجزا عن إدراك واقع عربي اجتماعي أو فكري منفصل عن الماضي ، تماما مثلما يعجز العقل المسكون بالحداثة الغربية عن إدراك ظواهر تقليدانية في حاضرنا لا تنتمي إلى أفق الحداثة ولا يستوعي نظامها بفكر يمتح من الحداثة .

وإذا كان من باب تحصيل الحاصل أن أزمة العقل العربي أو الإسلامي (استطرادا)قائمة ، وتطرقنا إلى بعض أسبابها كما نراها ، ونحن لا نزعم أنها هي الوحيدة المساهمة في ذلك ، فقد تكون هناك أسباب أخرى في اعتقاد البعض الآخر ، قد لا نتفطن إليها في هذا المقام ، الا أن رغم ذلك لا بد من القول أن في ظل هذه الأزمة أو ما شابهها ، لا نملك الا أن نعترف بما بذل من جهد معرفي كبير في بعض البيئات الفكرية والأكاديمية العربية سعيا في ازدراع قيم فكرية حديثة وتوطينها في الثقافة العربية خصوصا في العقود الستة الماضية ، في ميادين العلوم الاجتماعية والإنسانية والفكرية والتاريخ ضارعت في قيمتها العلمية ما أنتجه مفكروا الغرب أنفسهم من ناحية قيمتها العلمية . لكن وجب القول في نفس الوقت أن ذلك قليل ومحسوب على رؤوس الأشهاد ، وتشكل الاستثناء الذي لا يقاس عليه ، ليبقى المجال متسعا لمنتوج فكري موسوم بالغثاثة والضحالة والدوران في الفراغ.

Loading

شارك: