بقلم : ال عشاق –إذا قادتك الصدفة يوما إلى مكاتب عمالة إقليم الخميسات وتحديدا أمام المكتب الحصين الذي تقف دونه الأنفاس وتخشع الأبصار فلا تظن أنك وطأت عتبة خلية نحل إدارية تبني صرحا لنهضة اقتصادية و عمرانية و رياضية وثقافية كبرى ،في الحقيقة تقف في حضرة استوديو سينمائي متكامل بطله موظف فذ استطاع بحنكة سينمائية نادرة أن يختزل هيبة الإدارة العمومية بأسرها في حركة إصبع واحدة على جهاز تحكم عن بعد .

في الوقت الذي تنشغل فيه أصوات إعلامية مستقلة وجريئة بنبش التفاصيل وتعقب الكبوات والاخطاء وتوجيه سهام النقد اللاسع للرجل متهمة إياه بالتحكم العبثي في ملف الصحافة يبدو أن تلك الأقلام تخطئ العنوان تماما وتظلم الرجل  لانه  ببساطة ليس معصوما عن الخطأ  وكيف يطالب بالدخول في حروب عبثية مع الصراصير المندسة في المشهد الإعلامي  والتي تعد سنده وقوته وبوقه في وقت اشتداد الطلقات ،  فالموظف المعلوم يؤمن إيمانا راسخا بالقاعدة الإدارية الخالدة الاجتهاد في زمن النصيحة كفر إداري والتفكير جريمة لا تغتفر، إنه بريء براءة الذئب من دم يوسف ومكتبته مرآة صافية لا تنعكس عليها إلا تعليمات المسؤول الأول بالإقليم السيد العامل عبد اللطيف النحلي لتبقى براءته مصونة في حرز مفقود.

يقف المواطن البسيط أمام مكتب الضبط يترقب إشارة الدخول كمن ينتظر الفرج في ليلة القدر والسر العجيب  يكمن في سحر كاميرات المراقبة اذ يرصد بطلنا المرتفق عبر الشاشة الكبرى وما إن تلوح إشارة الضوء الأخضر حتى ينطلق نحو الباب بمهارة عسكرية وسرعة فائقة يغبطه عليها حتى أبطال أولمبياد سباق السرعة، إنه موظف عصامي لا يعصي أمرا ولا يبدع فكرة ولا يفسد على الإدارة طعم الروتين المقيت باجتهاد شخصي قد يورطه في  هنات صغيرة  وإذا أخطأ يبقى خطأ تكتيكيا بحت لأن العصمة للأنبياء ووكيله الرسمي السهو والتبعية الادارية.

لكن إياكم أن تصدقوا أن الرجل بلا إنجازات فهو يملك رؤية استثمارية ثاقبة تضاهي خبراء الاقتصاد العالمي فما إن يلوح في الأفق بغلماني أو رئيس جماعة ترابية من أحزاب الأغلبية الممثلة في الحكومة أو ممثل لشركة كبرى أو مجزئ عقاري يملك من الملايين ما يفوق خيال موظف مسكين في إدارة عمومية في جماعة ترابية حتى تنقشع عنه غشاوة البطء ويتحول إلى دينامو استثماري لا يكل ولا يمل يسارع لاستقبالهم بحفاوة متبادلا أرقام الهواتف وكأن قطار التنمية بإقليم الخميسات متوقف على رقم هاتفي مسجل على عجل في ظهر ورقة إدارية بالية ةهنا تسقط نظرية العصمة ويتحول الخطأ في حق المرتفق البسيط إلى صواب مطلق في حق أصحاب الشكارة.

الرجل لا يحمل عداوة لأحد ولا يضمر شرا للمرتفق البسيط ولا للناشط الإعلامي المعتز بكرامته الذي ينتظر ساعتين على الأقل ليحظى بتوقيع بريستيجي، فالموظف يعيش ببساطة في عالم مواز من الأحلام الوردية يحلم بالمستثمرين ويتبادل أطراف الحديث الضاحك والنقاشات الاستراتيجية مع أعيان ووجهاء القوم متناسيا أن وراء الباب صفا طويلا من المواطنين الذين لا يملكون سوى شكاية مهترئة وملفا طواه الزمن وأكله العتم وإذا  استفسر عن التناقض سيرد عليك بابتسامة صفراء .

وحين يوجه الإعلام المستقل سهامه نحو الموظف الفريد فإنه يخطئ المرمى مرة أخرى، فالرجل وبموضوعية تامة ليس سوى محطة عبور بريئة أو صندوق بريد بشري عالي الكفاءة يتسلم طلبات اللقاءات ليضعها بكل ورع ووقار أمام أنظار المسؤول لإخلاء الذمة لتظل رهينة أدراج النسيان بلا أجوبة كأنها ألقيت في بئر عميقة …فلماذا يلام المسكين إذا كانت ملفات المواطنين تنام إلى الأبد في ثلاجة التهميش.

والمثير حقا للاستغراب ويستدعي الوقوف احتراما لذكائه الخارق نوعية اللقاءات التي يحرص على هندستها فبدل أن يفتح الأبواب للجادين وأصحاب الهموم الحقيقية يستدعي النكرات والنكافات والملمعين ويبحث باستماتة عن جيش بديل لا يتقن سوى فنون التطبيل والتصفيق للإنجازات الوهمية وحين يحتاج المشهد إلى استعراض عضلاته يتحول إلى مايسترو ماهر يختار من يجيدون النفخ في القرب المثقوبة ليمتلئ الفضاء صخبا بينما تظل أبواب الحقيقة مغلقة بإحكام.

في النهاية تختزل المسرحية الإدارية برمتها في موظف بارع يتقن بحرفية عالية فتح الأبواب لمن يشبع العيون استعراضا ويقفلها في وجه من يحملون هموم الحقيقة ويدافعون عن مصالح الطبقات الكادحة لتستمر العجلة تدور على ميزان الولاءات لا الكفاءات ويبقى الموظف يرتكب أخطاءه الفادحة في حق التنمية بلا حسيب أو رقيب بينما يبقى الإعلام المستقل ينبش في التفاصيل ويبقى المايسترو الحقيقي بعيدا تماما عن دائرة المساءلة متمسكا بمقولته الخالدة الخطأ الإداري نصف الاجتهاد والاجتهاد عندنا محظور أصلا.

Loading

شارك: