بقلم : ال عشاق –تنتظر ساكنة اقليم الخميسات أن تتسابق الإدارات الترابية نحو ابتكار أنظمة رقمية عملاقة و إرسال فرق استخباراتية بشرية لتعقب تجار الذمم وسماسرة الانتخابات الذين يعيثون فسادا في الأحياء والشوارع عشية الاستحقاقات، أبت إلا أن تبصم على اختراع تاريخي يخلده التاريخ الإداري . فبدل أن ترهق السلطات نفسها في ملاحقة أصحاب الشكارة ومن يبيعون الضمائر في سوق النخاسة الانتخابي بثمن بخس، قررت أن توزع هواتف محمولة على رؤساء المكاتب مع ان الفكرة جيدة لكنه في بلد متخلف يعاني من ضيق الهامش الديمقراطي و الوعي. والسر  طبعا في توزيع الهواتف الذكية….؟ ليس لمواجهة الفساد انما  لنقل الإحصائيات بالسرعة القصوى إلى المكتب المخصص بالعمالة كي لا تتأخر  النتائج  عن المترشحين وهم يرتشفون قهوتهم بهدوء.

يبدو أن المسؤولين في عمالة الخميسات قرأوا رواية جورج أورويل بالمقلوب، فعوض أن يستغل العتاد التقني لمراقبة خروقات العملية الانتخابية ورصد الأوراق المغشوشة والجيوب الممتلئة بأوراق المال، تحولت الهواتف الذكية إلى مجرد وسيلة خاصة لتسهيل عملية التواصل السريع، وكأن المطلوب ضمان وصول النتائج بأعلى سرعة ممكنة دون أن تكلف السلطات نفسها عناء وضع لجان إدارية وزجرية تتعقب تجار الذمم الذين يسرحون ويمرحون في الأزقة.

المضحك المبكي في المهازل التناقض الصارخ بين حجم الرهان الديمقراطي المتمثل في الانتخابات التشريعية ليوم 23-09-2026، وبين الوسائل البدائية والكوميدية للتعامل مع العوائق الميدانية. فرئيس المكتب  من المفترض ان  يكون درعا لحماية أصوات المواطنين ومرعبا للمال الفاسد، أصبح مجرد ساعي بريد إلكتروني يعتمد على هاتف ذكي لينقل الخبر اليقين للعمالة. أما تجار الذمم فيمكنهم أن يناموا قريري الأعين فلن تزعجهم دوريات مراقبة ولن تطاردهم فرق زجرية، فطالما أن السلطة منهمكة في توزيع الهواتف على رؤساء المكاتب من أجل سرعة القراءة، فإن الشارع وموسم الحصاد الانتخابي يبقيان مفتوحين على مصريحهما لمن يدفع أكثر. فشكرا لعمالة الخميسات على الابتكار العبقري الذي أكد مجددا أن محاربة الفساد الانتخابي لا تحتاج سوى إلى بضع هواتف محمولة، أما الضمائر الميتة فلا بأس أن تترك لتمارس رياضتها المفضلة بكل حرية.

وفي الأخير، يبدو جليا أن عمالة الخميسات ومن ورائها باقي عمالات الأقاليم قد أبدعت في إيجاد حلول مريحة تخدم السرعة ولا تخدم النزاهة، فبينما تهدر الملايين من المال العام لاقتناء هواتف ذكية باهظة الثمن لنقل أرقام باهتة ومجردة، يظل تجار الذمم يعبثون بنظافة الاستحقاقات التشريعية . هكذا تختار الإدارة أن تنفق بسخاء على وسائط الربط بدل أن تستثمر في ربط المسؤولية بالمحاسبة، لتؤكد مجددا أن بعض الابتكارات الرسمية لا تزيد المشهد الانتخابي إلا هزلية، اذ تصل النتائج إلى مكاتب العمالة في رمشة عين، بينما يتبخر صوت المواطن وضمير الوطن في طيات النسيان.

Loading

شارك: