بقلم : مريم امزيل – شهدت مدينة الخميسات مؤخرا فصلا جديدا من فصول العبث السياسي، في لقاء نظمته جمعية حركة التويزة حول واقع الشباب والسياسة. تابعنا بذهول يكاد يمزق خيوط الصبر، تلك العروض المجانية التي قدمها بعض الجهابذة الجدد، إذ لوح هؤلاء بالشواهد الجامعية وكأنها صكوك غفران قروسطية تمنحهم حقا مقدسا في احتكار الحكمة السياسية وتوزيع صكوك الوطنية على العباد. للأسف الشديد اصطدمنا بواقع مرير، أغلبية ساحقة تسبح في بحر من الجهل بأبسط مقومات المرجعية السياسية أو التنظيمية. إنه لعمري ذروة العبث أن يتوهم متخرج حديثا أنه قادر على تقمص دور المفكر السياسي والمنظر الإستراتيجي دون أن يكلف نفسه عناء خطوة واحدة في ميدان العمل الحزبي الحقيقي أو التجند في صفوف الأنوية التنظيمية التي تصنع الرجال وتصقل الرؤى.
فتشتان بين حفظ نظريات المدرجات الجامعية وبين الاحتكاك الميداني بملامسة جراح الواقع وتدبير الأزمات. فالحصول على شهادة عليا لا يعدو أن يكون تذكرة عبور علمية ولا يعني البتة امتلاك مفاتيح تدبير الشأن العام أو فك شيفرات العمل الحزبي المعقد. لقد تحولت بعض المنصات إلى مسارح للهزل الأكاديمي، اذ يصر البعض على الخوض في تفاصيل استراتيجية معقدة، وهم يغرقون في فراغ تنظيمي وهنات معرفية فاضحة مقتنعين واهمين أن ترديد شعارات مستهلكة يكفي لصنع زعيم محنك. والأنكى والأضحك، أن المنظرين بالصدفة لا يفرقون البتة بين العمل النقابي، والعمل الحزبي، والجمعوي… يخلطون الحابل بالنابل، معتقدين أن الصراخ بمطلب قطاعي في نقابة يعادل صياغة برنامج حكومي، وأن تنظيم نشاط ترفيهي في جمعية يكافئ تدبير السياسات العمومية في المؤسسات، ليتحول النقاش إلى مسرحية هزلية يعتقد بطلها أنه يصنع التاريخ بينما يحرث في البحر.
إن السياسة لم تكن قط ترفا فكريا يمارس على هامش المقاهي، ولا ملجأ للمتباهين بالألقاب والشهادات الفارغة. إنها مدرسة عريقة عنوانها الأبرز، التواضع، والتدرج، والالتحام اليومي بهموم المواطنين. إن التنظير السياسي وادعاء الفهم وإبداء الرأي شيء، والممارسة الميدانية شيء آخر تماما. وحين يعم الوعي الجماعي والفهم الدقيق لدور السياسة في المجتمع، ويصبح لدينا أرشيف سياسي حقيقي مترسخ في الذاكرة الجماعية ومتاح للعموم، يمكن حينئذ للشباب إبداء رأيهم والمساهمة الفاعلة عن بينة وبصيرة. وما أجمل أن نحاول عن قناعة متسرخة نتاج تاطير مستمر ، والأجمل أن تكون المحاولة ذات تأسيس صحيح بمعنى الفهم الدقيق لما نريده طرحه للنقاش والتداول حتى لا نسقط في الثقوب.
![]()
