بقلم : مريم امزيل – الخريف يطل ويعود الطقس الوطني السنوي المتمثل في الدخول المدرسي بإقليم الخميسات  العرس التربوي الكبير لا يحضره سوى الأبطال من المعلمين والتلاميذ والموظفين ويتربع المدير الإقليمي  في المكتب الواسع والفسيح  مصمما بلاغات الاستعداد التام التي تملأ الفضاء بمبررات واهية تشبه صدى الأودية الخالية، علما ان الاف  التلاميذ واسرة التعليم  تعيش درسا تطبيقيا حيا في فن البقاء والتضحية وفي دواوير وأرياف اقليم الخميسات التي تفقتد الى الطرقات والانارة والامن .

 في فرعيات الارياف لا يبدأ الدخول المدرسي بقرع الجرس انما بصلاة الاستسقاء بحثا عن وسيلة نقل تسع البشر والحجر حيث يقطع أطفال كيلومترات طويلة كأنهم في ماراثون دولي يصارعون وعورة المسالك وبرد الصباح لان حافلات النقل المدرسي مجرد كائن أسطوري سمعوا عنه في حكايات الجدات وإذا تواجدت وسيلة نقل فإنها تتحول إلى علبة سردين بشرية تتحدى قوانين الفيزياء والجاذبية ،يصل التلميذ  إلى القسم لا يستقبله طابور من الترحيب  انما معركة طاحنة من أجل الظفر بمقعد دراسي فالإكتظاظ  ليس مجرد رقم انه  إبداع هيدروليكي اذ يحشر ثلاثة او اربعة  تلاميذ في مقعد مصمم أصلا لاثنين وتعتبر المقاعد الغائبة أسطورة سنوية تتكرر و يتشاركون الطاولات المتهالكة كأنهم في ورشة نجارة عتيقة وسط أقسام مشققة تروي جدرانها قصص التاريخ الطبيعي بصدوعها وتشققاتها التي ترحب برياح الشتاء ورذاذ المطر قبل أن تبدأ العواصف .

وأما الجندي المجهول المعلم يلقى به في أقاصي الخلاء فالقصة تشبه رواية مغامرات تراجيدية إذ يقطع مسافات طوالا عبر المسالك الوعرة ليصل إلى حجرة دراسية تفتقر لأبسط شروط الآدمية بلا ماء شروب ولا كهرباء ليعود إلى زمن السقاية والشمعة وبلا مرافق صحية تحول أبسط الحاجات الإنسانية إلى تحد يومي يختبر صبر الأنبياء وبينما تتهاوى الجدران وتتكسر أحلام الصغار على صخرة الواقع المر.

ويستمر المدير الإقليمي الذي عمر طويلا في المنصب حتى كاد يرثه ويورثه في هوايته المفضلة بإغراق الفضاء بالتصريحات والتقارير الوردية التي ترى المشاكل العميقة مجرد استثناءات لا تضر في البناء الشامخ للتعليم  فهل يعقل أن ننتظر من السيد المدير الإقليمي للتعليم خالد زروال  مغادرة الكرسي الوثير والمكيف الهوائي ليمارس هواية المشي على الأقدام في مسالك الأرياف الوعرة….؟ بالطبع لا، فالرجل أذكى من ارهاق الحذاء الفاخر في تتبع أثر تلاميذ يصارعون البرد والحرارة ، ويشاركهم رحلة العذاب اليومية بحثا عن قطرة ماء في فرعيات منسية.

  فخالد المعمر يكتفي باختراق جدار الواقع عبر تقارير ورقية مطرزة بأجمل العبارات حتى لا تزعج الوزارة المعنية،  تقارير ترفع تخبر الجهات الوصية أن الأمور على ما يرام وأن الأقسام المشققة ليست سوى لوحات تشكيلية تعبيرية. أما الجوع والعطش وغياب المرافق الصحية مجرد تفاصيل صغيرة لا تستحق إزعاج  المسؤولين. فلماذا يتعب المدير الاقليمي  بالنزول إلى الميدان ورصد الحقيقة المرة، فالوهم الرسمي مريح وطالما أن الاستعداد التام لا يحتاج سوى إلى حبر على ورق وجلسة دافئة بعيدة عن صقيع الواقع….؟ فمتى ينتهي المسرح السنوي ويتحول الاستعداد التام من حبر على ورق بلا مبالاة إلى واقع يرفع الظلم عن أطفال وأساتذة إقليم الخميسات.

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.