بقلم : ال عشاق –في زمن كثرت فيه التحليلات السياسية المعقدة وتناسل المحللون الاستراتيجيون في كل ركن من اقليم الخميسات ، يبرز كائن فريد من نوعه يختصر المشهد بأكمله دون أن يفتح فمه بكلمة مفيدة في الشأن العام، سوى لطلب المزيد من الخبز أو الاستفسار عن مكونات الطبق الرئيسي. إنه الحاج بوعديس أسطورة المقاهي الحية وأيقونة القاعات السياسية واللقاءات الحزبية التي لا يهمها إن سقطت الحكومة أو صعدت، بقدر ما يهمها هل اللحم مغسول جيدا وهل التحلية جاهزة في توقيت مناسب.
الحاج بوعديس ليس منتميا سياسيا بالمعنى التقليدي انه منخرط غيور في حزب المعدة العامرة وحده. تراه في مؤتمرات الأغلبية يصفق بحرارة شديدة لمن يدافع عن الميزانية، وفي التجمع الموالي للمعارضة يجلس في الصفوف الأولى منتقدا نفس الميزانية وعيناه تلمعان شوقا لطبق شهي مرتقب. لا يهم عنده من يحكم ومن يعارض، فالمعارضة بالنسبة له الجهة التي تقدم فطائر ومشروبات ساخنة والأغلبية تلك التي تجود بالأطباق الدسمة، وفي كلتا الحالتين يرتدي الحاج عباءة الديمقراطية التشاركية لكنه يشارك فقط بأسنانه وشهيته المفتوحة.
هوايته المفضلة التي تقاسمها مع متابعيه التقاط الصور التذكارية بلا توقف في اي مكان ومدينة من مغربنا الجميل، تراه يبتسم باسترخاء إلى جانب زعيم الأغلبية ويمطره مديحا، وفي المساء ينشر صورة أخرى يعانق زعيم المعارضة بحرارة بالغة وينظم في حقه قصائد مدح تفوق فيها على المتنبي، ليظن المتابعون البسطاء والمغفلين أنه يمارس الدبلوماسية الموازية أو يلعب دور الوسيط السري لتقريب وجهات النظر ، بينما الحقيقة الأسطورية أن الحاج لا يفرق بين اليسار واليمين إلا بمقدار ما يفصل بين طبق السمك وطبق المشويات. رجل مسالم للغاية لا يسيء لأحد أبدا، ولا يشتم مسؤولا ولا يسب معارضا، فكل السياسيين في نظره طيبون ما داموا يتركون له مكانا إلى جوار الأطباق الكبرى، وكل همه منصرف لتوثيق تلك اللحظات ونشرها في الشبكات الرقمية مرفقة بتعليقات وارقام الولائم ويبدو ظاهرها سياسيا وباطنها استطلاعا لجودة الطعام.
وحين يسأل عن رأيه في برامج التنمية أو مؤشرات التضخم، يبتسم بابتسامة المتبحر في العلوم ويجيب بثقة تامة أن الأمور تسير في الطريق المستقيم والمهم أن يكون الطبخ على أصوله، فهو لا يرى في السياسة سوى مائدة مستديرة بالمعنى الحرفي للكلمة ومحملة بكل ما لذ وطاب من دهون ومقرمشات ومشروبات غازية وعصائر. فدعوا الرجل يمارس حياته كيف يراها، ولا يهم إن راقكم أو استفزكم مظهره وأسلوبه، مادام يشعر بالراحة والطمانينة بين أحضان الصحون العامرة وعدسات الكاميرا.
فالحاج بوعديس وجد ضالته المنشودة في الموائد الدسمة والاكيد انه اصبح لديه جهاز استشعار مبكر في اماكن الولائم والزرود وهذه موهبة من الخالق لا يزاحمه فيها احد، واصبح مع الوقت وجها مألوفا تتصدر ملامحه كشافة نجوم المستقبل، فعلى يديه الكريمتين تخرجت أفواج من الصراصير المندسة في حقل الإعلام، تتغذى وتتدرب على مائدته، وما إن تنتهي فترة التفقيس والتدريب حتى تظهر تلك الكائنات الجحود ونكران الجميل.. فتغرس أنيابها فيه بكل قوة ، فالرجل يبرع في تربية عقارب تسعفه بلسعاتها، فقبل أن تنهالوا عليه بلومكم، تذكروا فقط ان الحاج بوعديس يعاني بصمت من عقدة الإحسان إلى الأفاعي أفلا ترأفون بحاله.. أو بالحماقة التي لا تغفر.
![]()
