بقلم : ال عشاق – ظن سدنة الشاشات ومهندسو اللايكات أن المعركة الانتخابية في اقليم الخميسات تحسم من خلف شاشات الهواتف الذكية، وأن السياسة مجرد بث مباشر يوزع فيه صكوك الوعظ و الارشاد أو تغريدة نارية تبيد الخصوم بضربة واحدة. فإذا بهم، يوم الاستحقاق، يكتشفون أن صناديق الاقتراع لا تفتح بكلمة مرور، وأن الشارع الحقيقي لا يدار بخاصية الحظر والمسح.
فالجلوس غرفته المكيفة، وارتداء عباءة الحكيم الزاهد، يخط بيمينه منشورات عصماء عن أهمية الصوت الانتخابي والأمانة التاريخية، ثم ينقر ببصمته المتخمة بالدلال ليطلق درسا مجانيا في التربية الوطنية. لقد تخيل هؤلاء أن الناخب مجرد كائن افتراضي يتابع الصفحات طوال النهار، ينتظر بفارغ الصبر عظة أسبوعية أو خطبة عصماء تقنعه بتغيير قناعاته السياسية وتعاطيه مع المترشحين. صدمة الواقع أقسى من أن تحتملها خوارزميات الحالمين بتغيير العالم بكبسة زر ، فالدوائر الانتخابية شاسعة ومترامية الأرداف، لا تقاس بالأميال الرقمية ولا بالوصول المجاني. إنها جغرافيا بشرية معقدة، تعج بهموم معيشية يومية لا تقرأ في تعليقات المتفاعلين، ولا تحل بوضع قلوب حمراء تحت منشورات الإنشاء السياسي المتجاوز.
إن إقناع القوة الناخبة ليس نزهة رقمية، ولا ترند يصعد ليومين ثم يزول. إن من يريد فعلا استمالة قلوب وعقول الناس، عليه أن يدفع الثمن الحقيقي من خلال التواجد الميداني وبلل القدمين بطين الأحياء الهامشية والاكتواء بنار المشاكل اليومية. السياسة تتطلب الوقوف في الوقفات والاحتجاجات الحقيقية إلى جانب المواطن، لا الاكتفاء بالتضامن من وراء شاشة لامعة. يجب أن يكون المترشح جزءا من تفاصيل حياة الناس طوال سنوات الولايسة التشريعية، لا كائنا موسميا يظهر فقط أيام الاستحقاقات كطيور النورس فوق جثث الوعود الميتة، فالسياسة ليست إعلاناً ممولاً على منصات التواصل الاجتماعي انه عرق مبذول ومواقف ثابتة في أزقة الواقع الموحلة.
لقد أثبتت صناديق الاقتراع أن الذاكرة الشعبية أثقل وزنا من أن تخدعها حملات العلاقات العامة العابرة. الناخب اليوم لم يعد ذلك الكائن الساذج الذي يصفق لكل شعار براق، فهو يشم رائحة الانتهازية السياسية من مسافة بعيدة. وحين يحين موعد الحقيقة، يختفي المؤثر السياسي وتتبخر خطبه الرنانة ويسقط قناعه الرقمي، ليجد نفسه محاطا بصمت مطبق. فلا أحد يسمع دروشته ولا أحد يكترث لتذكيراته المتأخرة بأهمية الصوت، لأن من غاب عن معارك الناس اليومية ليس له حق في قطف ثمار ثقتهم يوم الحصاد.
![]()
