بقلم : محمد الفقير –العالم بأسره يدرس نظريات التنظيم الحضري والهندسة المرورية وتطوير المدن الذكية، قررت مدينة الخميسات أن تضع بصمتها الخاصة في علم الفضاءات العامة عبر تحويل كل شارع وزققة ورصيف إلى مرآب مفتوح في السماء الطليقة وبصلاحيات مطلقة يفرضها منطق الأمر الواقع. اذ  تتحول الطرقات المخصصة لجولان السيارات والمركبات إلى محطات وقوف أبدية خصوصا امام المدارس في غياب تام لأي احترام لقانون السير والجولان.

قانون الطرق  في الخميسات وضع لكي يقرأ كقصة خيالية قبل النوم، فالاتجاه الممنوع أصبح مجرد اقتراح جغرافي، والوقوف المزدوج تحول إلى فن تشكيلي في عرقلة حركة السير، بينما الراجلون يسبحون في مهب الريح لعدم وجود  ممرات العبور الامن  . وتتفاقم  المأساة بشكل لا يطاق أمام المحلات التجارية، حيث تتحول الواجهات إلى مسارح لنقاشات عقيمة ومشاحنات يومية لا تنتهي مع سائقين يعتقدون أن باب التاجر موقف خاص لسياراتهم وانه حارس، متجاهلين تماما أن تلك المتاجر لها زبائن حقيقيون يجب احترام حقهم في الولوج، وأن أصحابها يؤدون ضرائب باهظة ومثقلين باكراهات مالية وإدارية جسيمة تقتضي الحد الأدنى من سيولة الرواج التجاري لا خنقه بسيارات مركونة بطريقة عشوائية ومستفزة.

ولم يقف العبث المروري عند هذا الحد انما تطور إلى مستوى إجرامي مرعب يتمثل في التعمد التام لركن السيارات وسط ملتقيات الطرق الحساسة، اذ  يقرر السائق بكل برودة دم أن يترك سيارته في قلب المفترق محجبا الرؤية كليا عن القادمين من الاتجاهات الأربع، ليتحول الاستهتار إلى مسبب رئيسي  في ارتفاع منسوب حوادث سير مميتة تزهق أرواح أبرياء .

وأمام  الفضوى اليومية، يقف المرء مذهولا أمام الصمت المطبق وغير المبرر للجماعة الترابية بالخميسات التي تشهد السيبة المرورية وتتفرج على استنزاف الفضاء العام. أليس مضحكا ومبكيا أن تتحول شوارع مدينة بأكملها إلى مرابد مجانية وعشوائية تعرقل السير وتخنق الأنشطة الاقتصادية، بينما تظل خزينة البلدية صامتة أمام موارد مالية ضخمة تضيع هدرا…؟ أين دفاتر التحملات وأين المبادرة الجماعية لتقنين مواقف السيارات وتنظيمها وفق تسعيرة قانونية واضحة تحمي مستعملي الطريق وأصحاب المحلات وتعيد الهيبة للقانون….؟

إن تحويل شوارع الخميسات وملتقيات طرقها إلى مرابد عشوائية ليس فقط تشويها للمنظر الجمالي انه استنزاف اقتصادي فاضح وإزهاق متعمد للأرواح، فمتى تستيقظ جماعة الخميسات من غفوتها الإدارية وتستبدل منطق العشوائية بمنطق التدبير المفوض الرشيد بدل ترك شوارع المدينة وأرزاق تجارها رهينة في يد الفوضى المستشرية…؟

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.