(أنا لا أحبك يا موت لكنني لا أخافك وأدرك أن سريرك جسمي وروحي لحافك وأدرك أني تضيق علي ضفافك.) سميح القاسم
حين يكون الشعراء بيننا وحين تظل أرواحهم تحرس بيوتنا حتى بعد رحيلهم يصبح الخوف ترفا لا مبرر له. إنها ليست مجرد عبارات تفاؤل عابرة انها حقيقة تجلت عميقا في تجربة أسماء خلدت أثرها قدامى ومحدثين ومنحتنا طمأنينة تشبه المزيج الساحر بين البهجة والهدوء واللامبالاة في وجه العتمة واليأس.
في قلب الخلود الشعري يبرز اسم سميح القاسم أحد أركان الثالوث المقاوم إلى جانب محمود درويش وتوفيق زياد. ولد الشاعر من رحم أراضي عام 1948 ليحمل قضية وطنه كجرح مفتوح وهوية لا تقبل المساومة. لم تكن فلسطين في قصائده مجرد جغرافيا يكتب عنها انما كانت الأرض والذاكرة ومصدرا لصوت مقاوم نابض بالإنسانية والجمال.
تميزت تجربته التي امتدت لأكثر من 60 عاما بغنى فريد فقد جمعت بين الأصالة والحداثة والالتزام السياسي بالعمق الإنساني والغضب الثوري بالرقة الوجدانية. كما أبدع في توظيف التناص مع الأساطير والتراث الديني الإسلامي والمسيحي واليهودي مستحضرا أسطورة سدوم ليقارن بين دمارها ودمار فلسطين البريئة ومدمجا الرموز لتأكيد الهوية العربية لأرض الأنبياء في مواجهة محاولات الطمس.
لم يكن شعر القاسم تقليديا انما طغت عليه العناصر الدرامية من حوار وتشخيص وتصاعد مشهدي كما في رائعته أطفال رفح حيث يتحول الطفل المقاوم إلى بطل تراجيدي بلغ الحزن به سن الرجولة. وفي وجه الظلم اتخذ من السخرية السوداء سلاحا لا يلين كما في البيان قبل الأخير ما جعل النقاد يصفونه بشاعر الغضب النبوئي وهوميروس الصحراء. ولم يكتف بهموم وطنه الضائع انما امتد صوته ليهز وجدان العالم متضامنا مع المظلومين في الكونغو وعبر المعمورة ومؤكدا بروح إنسانية رفيعة في الكون متسع لكل الناس هل في الناس متسع لبعض الكون.
ترك القاسم خلفه أكثر من 60 عملا أدبيا تنوعت بين الشعر والنثر والمسرح وترجمت إلى لغات عديدة. وقد قسم الباحثون إرثه إلى دوائر متداخلة تربط الشاعر بالطبيعة وبالوطن وبالعالم الإنساني معتبرين إياه رائدا من رواد ملامح ما بعد الحداثة في الشعر العربي. لقد ظل سميح القاسم حتى آخر رمق في حياته قبيل رحيله في أغسطس 2014 مدافعا شرسا عن بقاء قصيدة المقاومة رافضا مقولة إن زمن النضال قد أفل. وكما قال متحديا العواصف في قصيدته عنيد أنا: (عنيد أنا كالصخور إذا حاولوا عصرها وقاس أنا كالنسور إذا حاولوا قهرها.)
سلام على سميح القاسم في رحيله الخالد فقيثارته التي ما زالت تداعب وجداننا تؤكد أن في أفق فلسطين دائما شعاع نصر مبين وأن خطوة تلو خطوة ستظل تفتح أبواب الحلم لتبقى الحياة.
![]()
